تخيلوا أن مصر تكرمت بفتح معبر رفح الأسبوع الماضي. ليوم واحد فقط. من أجل إدخال جثة طالب فلسطيني كان يدرس في تركيا. تخيلوا أيضاً أن هذا الطالب قُتل بانفجار حينما كان ماراً بالمصادفة قرب مسيرة للأكراد واليسار تطالب بالسلام. عاد أحمد الخالدي (25 عاماً) إلى مخيم جباليا ليدفنه أهله في البقعة التي هاجروا إليها قبل 65 عاماً.


جثة أحمد تمكنت من العودة إلى فلسطين لأنه كان يحمل الهوية الخضراء. هي بطاقة تعريف شخصية تكتب باللغتين العربية والعبرية، بالاتفاق بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. أما من لا يحمل هوية خضراء، أو زرقاء، أو حمراء (ألغيت أخيراً)، فلا يستطيع الدخول إلى مدينته في فلسطين، أكان حياً أم ميتاً.
هذا الخبر نادر الحدوث. فـ«الكرم» المصري بإغلاق المعبر هدفه إبقاء الغزيين في حال متواصلة من الصمود. تحديداً كي لا يهربوا ويتركوا بلادهم! ما أشبه اليوم بالأمس. وما أشبه الغد باليوم. لم يتغير شيء. قبل سنوات توفي أحد الشباب الفلسطينيين في أميركا بسبب حادث سير. وصلت تكلفة إرجاعه إلى غزة إلى 40 ألف دولار. لم يكن ذلك عبر معبر رفح المغلق آنذاك، واليوم... وغداً.
وكي يسمح الإسرائيليون بأن يعود جثمانه عبر فلسطين المحتلة، اشترطوا سفر لجنة طبية مشتركة لإحضار الجثمان. لجنة شبيهة بتلك التي كانت تتفاوض على ما بقي من فلسطين: أميركية ــ إسرائيلية ــ فلسطينية.
فُحص التابوت جيداً لدى وصوله إلى فلسطين ودخوله غزة؛ قد يفعلها «المجانين» ويهرّبون في التابوت شيئاً ليقاوموا به. الإسرائيلي الذي يخاف الاقتراب من الشهداء حينما يقتلهم، ويرسل إليهم الكلاب والروبوتات ليتحقق من موتهم، بالتأكيد سيشك في جثامينهم. أخذ الأطباء وأعضاء اللجنة أجورهم وعاد الجثمان بتكلفة لا يقدر عليها إلا عائلة غنية كعائلته. ودفن مطمئناً في ثرى الوطن.
تلك أمنية صارت «لازمة متكررة» في كل رواية أو فيلم ــ مسلسل يتحدث عن فلسطين. يوصي دائماً كبار العمر والشهداء في مشاهد اللحظات الأخيرة بدفنهم في تراب الوطن. بل قد يجمعون طوال حياتهم مبلغاً من المال من أجل أن يضمهم الوطن، الذي اشتهوا رؤيته وهم أحياء.
لا يعلم هؤلاء أن عليهم ألا يخافوا مما بعد الموت. لعل أرواحهم ستحلق فوق فلسطين بعد الموت، أو سيمشون في شوارعه أي وقت يشاؤون، دون أن تمنعهم حدود أو حواجز أو جند. في كل ديانة تصوراتها للحياة الآخرة، وكلها تشير إلى حرية الروح من قيد الجسد.
ذات مرة، وعلى معبر رفح نفسه، تقدم مرافق لأحد المرضى ليختم جوازه. توقف الدور عنده وقد دخل المريض قبله. انتظر قليلاً كي يرى ما بوسع الموظفين الفلسطينيين عمله لإقناع المصريين بدخوله. فجأة مات المريض الذي بقي دون مرافق لساعات في الصالة المصرية وقد أغلق المعبر.
الآن صار لا يمكن إرجاع «شهيد المعبر» إلى غزة. تقول الإجراءات البيروقراطية العربية إن أي شخص يموت على أرض الدولة يجب فتح محضر في وفاته، وأيضاً تشريح جثته. نُقل الرجل ميتاً إلى أحد المستشفيات في رفح المصرية، المدينة التي فصلت عن رفح الفلسطينية.
دارت مفاوضات ليومين حتى عادت الجثة إلى غزة. المرافق أصيب بالذهول لهذه المصادفة، التي حتمت أن يكون عاجزاً عن فعل أي شيء لقريبه فيما لا يفصل بينهما سوى أمتار من الحدود التي يغلقها مزاج أحد الضباط. إذاً، على الفلسطيني أن يسافر إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً، لكن عليه العلم أنه إن لم يستطع العودة إليها حياً، فإنه أيضاً قد لا يستطيع ذلك ميتاً.
وعلى المعبر النحس أيضاً، انتظرت مسنة فلسطينية فتحه لستة أشهر كي تعود إلى غزة. وما إن أتى اليوم المنتظر حتى ماتت من شدة الحر على أبواب المعبر قبل أن تدخل. فعادت إلى وطنها ميتة لتدفن فيه. لعل حالها كان أسوأ من حال عدد من الشهداء الذين انتظروا في ثلاجات الموتى لأشهر كي يفتح المعبر ويعودوا إلى غزة، وكانوا قد خرجوا منها جرحى حرب.
حلم العودة إلى فلسطين، لم يعد حكراً على الأحياء، بل صار ظرفاً خاصاً تتدخل فيه سفارات الدول وتعطي استثناءات من أجله. هذا الحلم ليس لأي كان؛ بل لنصف الشعب الفلسطيني فقط، ممن استطاعت السلطة منحهم بطاقات الهوية بموافقة إسرائيلية. أما الذين هُجّروا خارج فلسطين، فإنهم يدفنون في الدول التي هربوا إليها. بل في بعضها قد لا يجدون متسعاً للموت المريح، لأن الدولة لا تريد أن تعطيهم مساحة فارغة من الأرض لينشئوا عليهم مقبرة لموتاهم.
قبل أعوام، علمت عائلة أردنية بمكان دفن أحد أبنائها ممن استشهدوا في القدس خلال معارك الدفاع عن المدينة عام 1948. رفضت العائلة استعادة الجثمان باعتبار أن هذا شرف كبير لابنهم أن يدفن في فلسطين، بل امتياز يتمنى كثيرون الحصول عليه.
منذ أكثر من عام ونصف، لم أجرؤ على زيارة مقبرة شاتيلا التي تضم في ثراها غسان كنفاني وشهداء آخرين، أو أياً من مقابر الشهداء اللاجئين في لبنان. أخشى أن يسألوني كيف تركت فلسطين، وعن السبب الملحّ الذي يستدعي أن أخرج منها. وأخجل أن أرد على أرواح سكنت فلسطين في قلوبها ولم يبق منها سوى شواهد القبور.
أتأمل في «بوليصة» التأمين الشخصية وأشعر بغبطة كبيرة تغمرني حينما أرى البند الذي يشمل نقل الجثة إلى البلد، وأزيد ضحكاً حينما أتخيل كيف سيواجهون صعوبة كبيرة وتكلفة أعلى مما هو مرصود لإرجاعي ميتاً، عبر معبر رفح، مثلاً... أو لي أن أسبق الأجل وأعود بقدرٍ ما، لأموت في وطني، وأنا الذي وُلدت خارجه.