التدفّقات تكرّس الطابع الريعي عوضاً عن استغلال «التميّز»


حسن شقراني
لم تتجاوز حصّة لبنان من الاستثمارات العربيّة البينيّة نسبة 7.8% في عام 2008 متراجعة 8.3 نقاط مئويّة، مقارنة بالعام السابق، لتبلغ 2.66 مليار دولار، وفقاً لتقرير «المؤسّسة العربيّة لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات». تراجع يؤدّي البحث في تفاصيله إلى اكتشاف خلل متعلّق بتوزّع تلك الاستثمارات، مثلما هي الحال مع مختلف أنواع الاستثمارات في معظم القطاعات.

حصّة العرب

الرساميل التي تجوب العالم بحثاً عن العائد الأعلى والجدوى الاقتصاديّة الأبرز تزداد صعوبة السيطرة على أهوائها. ففي عالم «عدم اليقين» الاقتصادي، هناك معطيات كثيرة يجب أن يدرسها الرأسمالي لكي ينير الطريق أمامه في نظام معولم لا يرحم المغامرين الذين يسقطون في هوّة التقويم الخاطئ.
لبنان لا يجد صعوبة كبيرة في تلك المسألة، وتحديداً لأنّ أفقه الاستهلاكي لا يزال مادّة خاماً بالنسبة إلى المستثمرين الطموحين لتحقيق الأرباح. وهنا تثار قضيّة أساسيّة تتعلّق بالبيئة الاستثماريّة التي يتمتّع بها لبنان كما يظهر تضارب بمستوى عال!
ففيما تبحث الرساميل عن الاستقرار الأمني والسياسي والنظام القضائي المحصّن، تهرع العواصم المختلفة إلى طمأنة الأموال الهائمة عالمياً، وفي لبنان حيث تلك الطمأنة «تحدّ يومي» تتضح عناصر المفاجأة. ففي عام 2006، عام الحرب الأخيرة، بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة في لبنان 2.73 مليار دولار، وهي كانت قد نمت في العام السابق بنسبة تفوق 40% لتبلغ 2.79 مليار دولار.
وللإشارة فقط، فإنّ عام 2005 كان قد شهد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري. ومنذ ذلك الوقت كرّت سبحة انفجارات الأزمة السياسيّة المكبوتة التي لا تمثّل أبداً حافزاً للنموّ الاقتصادي. فكيف بالأحرى للاستثمارات؟
واللافت هو أنّ تيّار تدفّق الرساميل إلى لبنان ينبع أساساً من البلدان العربيّة. ففي عام 2006، مثّلت الاستثمارات العربيّة 90% من الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة. ومصدر تلك الأموال كان أربعة بلدان فقط، هي: الكويت وقطر والسعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة.
وهذا النمط المسجّل يعكس النسق العام الذي تسير على أساسه الاستثمارات الأجنبيّة في لبنان.

اهتمام مثير

تشير التقارير التي تعنى بشؤون الاستثمارات الأجنبيّة، التي تنشرها وكالات الأمم المتّحدة والمؤسّسات الإقليميّة، إلى أنّ أداء الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة المسجّل في لبنان خلال السنوات الماضية يخالف النسق العام المسجّل في بلدان منطقة الـ«إسكوا» على سبيل المثال. ففي عام 2003 احتلّ لبنان المرتبة الثانية بين بلدان المنطقة المذكورة حيث جذب 28% من إجمالي التدفّقات الاستثماريّة في المنطقة، كما حلّ أوّل من حيث معدّل الاستثمار الخارجي المباشر إلى الناتج المحلّي الإجمالي.

المصادر العربيّة تمثّل %40 من التدفّقات وهي تراجعت إلى 2.66مليار دولار في العام 2008
وتطوّر «أداء لبنان» لجهة جذب الرساميل خلال العقدين الماضيين تطوّراً لافتاً. فقد ارتفع إجمالي الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة المتراكمة إلى الناتج المحليّ الإجمالي من 1.9% في عام 1990، أي عند الحدود الزمنيّة لانتهاء الحرب الأهليّة، إلى 85.7% في عام 2007. كما نمت حصّة الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة المتراكمة من تكوّن الأصول الثابتة الإجماليّة سنوياً من 10.7%، وهو المعدّل السنوي المسجّل بين عامي 1990 و2000، إلى 64.1% في عام 2007.
ولكن رغم هذا التميّز اللبناني في «الإغراء الرأسمالي والاستثماري» تبقى هناك ثغر أساسيّة مثلما هي الحال إجمالاً في مختلف قطاعات الاقتصاد اللبناني الريعي.
في المبدأ، هناك مشكلة في تحديد الأولويّات في لبنان تنعكس في نموّ الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة. ففيما تمثّل «المصادر العربيّة» معظم تلك الاستثمارات، فقد تراجع تدفّق الرساميل العربيّة الصافية من 2.88 مليار دولار في عام 2007 إلى 364 مليون دولار في العام الماضي، أي أنّ نسبة الانخفاض تجاوزت 90%.
كذلك حلّ لبنان في المرتبة الـ 7 بين 11 بلداً عربياً من حيث جذب الرساميل البينيّة العربيّة بعدما كان في المرتبة الثانية في العام السابق، ما يعني أنّه تأخّر 5 مراتب أساسيّة هي حسّاسة جداً لكي يعوّض لبنان تداعيات الخلل الهيكلي في اقتصاده.
من جهة أخرى، هناك خلل متعلّق بقنوات تلك الاستثمارات. فوفقاً للتقرير المذكور، تحظى الصناعة اللبنانيّة بنسبة 0.8% فقط من الاستثمارات العربيّة البينيّة خلال العام الماضي، ولم تتخطّ حصّة الزراعة 1.5%! لتتركّز الأموال أساساً في القطاعات الريعية والخدمية.
وفي المقابل، يحتكر القطاع الصناعي 99.7% من حصّة الجزائر من الاستثمارات العربيّة البينيّة البالغة 5.66 مليارات دولار.
وتجدر الإشارة إلى أنّه بحسب مؤسّسة تشجيع الاستثمارات في لبنان (IDAL) وُجّهت نسبة تفوق 50% من الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة نحو القطاع العقاري في عام 2006، فيما بلغت حصّة قطاع السياحة والخدمات الماليّة 40%.
هذا الواقع يعكس خللاً حقيقياً لسبب بسيط هو أنّ القطاعات الإنتاجيّة الأساسيّة، أو الجوانب الحقيقيّة من الاقتصاد، لا تتمتّع أبداً بخيرات تدفّق الرساميل الاستثماريّة، وهذا الأمر يكرّس النمط السائد أساساً في لبنان أي توزّع النشاط الاقتصادي على الشكل الآتي: 76% خدمات وسياحة، 19% صناعة، 5% زراعة.
وهنا يكمن التحدّي الأساسي أمام اللبنانيّين والحكومات المقبلة على سكّة رفع النشاط الإنتاجي إلى مستوى أكثر تطوّراً. فوفقاً لمؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) تراجعت الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة عالمياً بنسبة 21% خلال العام الماضي، مقارنة بالعام السابق لتبلغ 1449 مليار دولار.
ويقول تقرير «المؤسّسة العربيّة لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات» إنّ هذا التراجع يُسجّل «بعد تحقيق قفزات متتالية خلال السنوات الخمس الماضية» وسبّبته تداعيات الأزمة الماليّة. وفيما «تباينت تلك التداعيات» بين مختلف الأقاليم اتضح أن لبنان من بين الدول الأقلّ تأثّراً، على المستوى المباشر بالحدّ الأدنى، وهذا الوضع كان من المفترض أن يؤمّن له أفضليّة إضافيّة لولا طبعاً الظروف السياسيّة واستمرار التنفّس عبر فقاعات العقار والصيرفة.


7.28 مليارات دولار

هي قيمة التدفّقات الاستثماريّة الخارجة من لبنان إلى البلدان العربيّة بين عامي 1985 و2008، بينما التدفّقات العربيّة البينيّة إلى لبنان بلغت 12.24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، ما يعني أن الصافي يبلغ 4.96 مليارات دولار.


سهولة الأعمال... الصعبة!