الصادرات تتراجع على الرغم من الأصوات المتباهية بالنموذج اللبناني

تراجع الصادرات اللبنانية، ولا سيما الصناعية، كان متوقّعاً، وقد تحرّكت جمعية الصناعيين سابقاً في محاولة لحثّ الحكومة على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتدارك تداعيات الأزمة التي تضرب العالم، إلا أن صوتها لم يكن مسموعاً في ظل «عجقة» الأصوات المتباهية بالنموذج اللبناني الذي نجح في اجتذاب نحو 15 مليار دولار من الودائع الإضافية في غضون سنة!
صحّت التوقّعات إذاً، وتراجعت قيمة الصادرات من 1746 مليون دولار في النصف الأول من العام الماضي إلى 1688 مليون دولار في النصف الأول من هذا العام، أي بنسبة 3.3%. وتفيد توقّعات الصناعيين باحتمال أن تبلغ نسبة التراجع في نهاية هذا العام ما بين 10 و15%، علماً بأن الصادرات كانت تسجّل نموّاً مطرداً في السنوات الماضية وصل إلى نسبة 33% في العام الماضي بمجمله.
ولا تزال الجهات الرسمية المعنية ترفض التحرّك لدعم الصناعة، بل إن الأصوات «المتباهية» بدأت تقلّل من أهمية هذا المؤشّر، باعتبار أن نموّ الطلب الداخلي في هذا العام بسبب ارتفاع عدد السيّاح امتصّ المفاعيل السلبية الناتجة من تراجع الصادرات، وهذا ما استدعى موقفاً من جمعية الصناعيين التي أصدرت أمس بياناً انتقدت فيه محاولة تصوير زيادة الطلب في السوق المحلية كأنها الحل لمشكلة انخفاض الصادرات.
وأوضحت أن إحصاءات الصادرات اللبنانية لا تشمل فقط الصناعات اللبنانية، بل تشمل أيضاً الخرضوات من معادن ولدائن وغيرها... إلا أن ذلك لا يعني أن الصادرات ذات المنشأ اللبناني لم تتأثّر كثيراً، بل على العكس، إذ تشير الإحصاءات إلى أن صادرات منتجات المملكة الحيوانية انخفضت من 8 ملايين إلى 7 ملايين دولار، كذلك انخفضت صادرات الأغذية والمشروبات من 143 مليوناً إلى 135 مليون دولار، وصادرات المنتجات المعدنية من 57 مليوناً إلى 52 مليون دولار، وكذلك انخفضت صادرات المنتجات الكيماوية من 180 مليوناً إلى 103 ملايين دولار، وصادرات اللدائن والمطاط من 71 مليوناً إلى 59 مليون دولار، وصادرات الجلود من 5 ملايين إلى 4 ملايين دولار، وصادرات المواد النسيجية من 57 مليوناً إلى 51 مليون دولار، وصادرات الآلات والمعدات الكهربائية من 258 مليوناً إلى 248 مليون دولار، وصادرات أجهزة التصوير والأدوات الطبية والأثاث من 69 مليوناً إلى 66 مليون دولار. وقالت الجمعية: «من الواضح من خلال الأرقام أن هناك انخفاضاً في صادرات الصناعات اللبنانية، وهو أمر يحتاج إلى التحليل والمعالجة، وخاصة أن السوق المحلية اليوم في وضع جيد نتيجة موسم الصيف، وهذا أمر إيجابي ويستطيع أن يعوّض بعض النقص الحاصل في الصادرات، لكن يجب ألّا ننسى أن موسم الصيف سينتهي قريباً، وبالتالي نحتاج إلى العمل جدياً لإعادة التنافسية للإنتاج اللبناني، إذ إن تصوير زيادة الطلب في السوق المحلية كأنها الحلّ لمشكلة انخفاض الصادرات ليس دقيقاً، وهذا ما حاولنا مناقشته مع رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة تصريف الأعمال فؤاد السنيورة، والرئيس المكلف سعد الحريري، فضلاً عن رؤساء الكتل النيابية».
وكانت جمعية الصناعيين قد عقدت اجتماعاً أخيراً مع وزير المال محمد شطح وطالبته بالعمل على إلغاء ضريبة الدخل على الصادرات، وخاصة أن لبنان هو البلد الوحيد بين الدول الـ17 التي وقّع معها اتفاقات تجارة حرة، الذي لا يزال يفرض ضريبة دخل على الصادرات، وطالبته بدعم فوائد الرأسمال التشغيلي للمصدرين، ومعالجة ملف الضرائب والرسوم المفروضة على العمالة الاجنبية. فإذا كان من الضروري إبقاء هذه الرسوم، يجب في المقابل أن تكون ثمة رسوم على البضائع العربية المصنعة مئة في المئة بواسطة العمالة الأجنبية المعفاة منها، «وإلا نكن قد وضعنا الصناعة الوطنية في موقف غير تنافسي».
ورأت الجمعية أن موضوع انخفاض الصادرات الصناعية يستأهل من الحكومة العمل الجاد لاحتوائه ومعالجته، وبالتالي لا يجوز تجاهل مفاعيله بعدما حقق لبنان في السنوات الخمس الماضية نمواً في الصادرات بنسبة 20%، وهو يعاني اليوم باعتباره البلد الوحيد الذي لم يتخذ إجراءات سريعة لتنشيط قطاعاته التصديرية في ظل الأزمة القائمة.
من جهته، توقّع رئيس مجلس تنمية الصادرات الصناعية محمد الرفاعي أن تتراجع الصادرات الصناعية بنسبة تتراوح ما بين 12 و15% في نهاية عام 2009، وقال إن المجلس أعدّ خطة عمل تتضمن بعض الأفكار التي تمثّل مرتكزات أساسية لوقاية القطاع الصناعي من تداعيات هذه الأزمة وتمكينه من الحفاظ على المكتسبات التي حققها في السنوات الماضية. وتتضمن هذه الأفكار الآتي:
ـــــ عقد خلوة برئاسة جمعية الصناعيين تضم مجلس تنمية الصادرات الصناعية وكبار الصناعيين المصدّرين لبلورة أفكار تتيح إيجاد بدائل أمام المصدّرين اللبنانيين أو بعض الإجراءات التي يمكن أن يتخذها الصناعي لتمكينه من تجاوز الأزمة بأقل خسائر ممكنة.
ـــــ عقد ورشة عمل متخصصة تتعلق بالصادرات الصناعية لتقويم التطورات التي شهدتها خلال السنوات الماضية، وتحديد نسب النمو الحقيقية التي حققتها خلال هذه الفترة وضرورة عقد هذه الورشة في أقرب وقت ممكن، لأن رسم أي سياسة مستقبلية للصادرات الصناعية أو اتخاذ أي موقف بهذا الصدد لا بد من أن يكونا مبنيين على أرقام حقيقية وواقعية.
ـــــ البحث الجدّي في العراقيل التي تواجه إدخال المنتجات اللبنانية إلى الأسواق التي وقّع لبنان معها اتفاقيات تجارة حرة، ولا سيما الأسواق الأوروبية، والاستفادة في هذا الإطار من اتفاق الشراكة التي وقّعها لبنان مع أوروبا.
ـــــ تشجيع المصانع اللبنانية المؤهلة لتصدير منتجاتها على المشاركة في المعارض العالمية المتخصصة وتمكينها من الاستفادة من برامج الدعم المخصصة لذلك.
ـــــ العمل على استعادة مركز تنمية الصادرات في مرفأ بيروت وتفعيله.
ـــــ الضغط لإقرار قانون إنشاء وكالة تنمية الصادرات الصناعية التي باتت في المرحلة الراهنة حاجة ملحة، وخصوصاً أن مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية تتطلّب جهداً مشتركاً بين القطاعين العام والخاص.
(الأخبار)