وبين الطعنة والطعنة، ترد من فلسطين رسالة تتناقلها الأرواح كصلاة، أنا بخير. أقلّه أنا أكثركم بخير. وما أكثر السكاكين التي أكتب بها ذاكرة لكم. مرت ثلاثة أسابيع، وما زال النصل حادّاً بما فيه الكفاية ليكون الجرح قاتلاً. فالقاتل لن يكفي شرّه ويرحل عن هذه الأرض ما لم يتذوّق معنى النزف. هل نحن دمويون، كما قد يصفنا حاملو ألوية التفاوض والسلمية إذا نظرنا بتشفٍّ ومتعة إلى مستوطن ينزف ويولول بينما يقف من حوله آخرون توهموا أن هذه الأرض آمنة وأنها موطنهم؟


أخبار فلسطين التي لا تشبه اليوم أيّ أخبار عادية اعتدنا على سماعها، تعود بنا إلى زمن كان فيه مطلع أغنية «طالعلك يا عدوّي»، كفيلاً بتحويل كلّ شاب سكن الوطن في فطرته إلى فدائي. أعادتنا عمليات الطعن، إلى وطن ظننا، ولو للحظات، أنّه تلوّث بالتسويات إلى حدّ أصبحنا نخجل عند استماع مطلع نشيد «موطني».
قد نعجز عن تعريف ما يحدث في الأرض المحتلة. هل هي انتفاضة؟ هل ما يجري حركة منظمة ومدروسة؟ هل طفح الكيل فأصبح ردّ الصاع صاعين يتم بدون أي تخطيط مسبق أو وجود قيادة حتى ولو في الظل؟ وهل يصحّ الحديث وطرح هذه الأسئلة «المتفلسفة» الآن، في الوقت الذي يسطّر فيه "ورود ووردات" فلسطين، بدون بيانات مسبقة ولا لاحقة، حكايات حوّلت الشوارع الفلسطينية المسلوبة، التي كانت تعج بـ«مستوطنين آمنين»، إلى شوارع شبه خالية إلا من الرعب؟ هذا بحدّ ذاته إنجاز يسجّله أبطال قد نعجز عن حفظ أسمائهم، وقد نعجز عن تخيّل ردّ فعلنا لو كنا مكانهم.
هذا الإنجاز الذي اختار صانعوه أن يكون باسمهم، زرعوا روحهم في جسد الأرض وكتبوا بأيديهم التي صارت غُمُد سكاكين، إنّ العار ليس أكثر من المرور بصمت قرب قاتل صهيوني، من دون فعل شيء.
من هنا، يصير صفع كل متحدّث عن وجود «مدنيين صهاينة» أوجب من التحدث لساعات عن سير الشهداء وعن حق العودة. فهؤلاء يجادلون اليوم في التركيبة النفسية والشخصية لأبطال عمليات الطعن والدهس. هؤلاء الذين لا يكفّون عن إدهاشنا بنظريات عميلة ويحاولون إسكاتنا دوماً إنّهم أكثرنا حباً لفلسطين وأكثر الحريصين على أرواح الشباب الفلسطيني الذي «يغامر» بروحه. هؤلاء أنفسهم الذين لطالما بكوا في مقاهي بيروت كلما قرأوا قصيدة فلسطينية، توقفوا عن ذلك اليوم وأصبحوا يتساءلون عن جدوى عمليات الطعن، وعن جدوى «إعادة تصويب» السكين الفلسطينية نحو الجنود الصهاينة، خوفاً من الرأي العام الغربي الذي يرى في قاتل المستوطن مجرماً. هؤلاء موجدون بكثرة سواء في الداخل الفلسطيني أو في مقاهي بيروت أو في شوارع القاهرة. وهم سيبقون موجودين يرفعون شعارات مهزومة مثل «العين لا تقاوم المخرز». وهؤلاء، حتى إشعار آخر، هم من يجب إسكاتهم كي تتمكن قافلة المقاومة من السير بدون تشويش.
وللأمانة، القافلة لم تتوقف يوماً وإن تباطأ مسيرها في لحظات تاريخية حاول صانعو التسويات ومستهلكو التفاوض تغيير التاريخ وكتابته بأحرف عربية هجينة حاولت التآخي مع العبرية في نصّ يفوح بالخيانة، وبرغم ذلك لم تتوقف المقاومة في فلسطين يوماً، وإن حوصرت بكلّ أنواع المؤامرات، بدءاً باغتيال القادة المقاومين وصولاً إلى إقفال منافذ السلاح، مروراً بتوكيل عملاء برتب رؤساء وهميين، وهم فقط تجّار بلاد وعباد.
هذه ليست أول الانتفاضات، والسكين ليس أول الأسلحة الخارجة من رحم الحاجة فقد سبقه إلى هذا العز... الحجر. وما يجري ليس أخر المطاف في معركة الوجود التي نسميها القضية الفلسطينية. ففي كل يوم سيولد رجال ونساء يهبون الوطن باقات من روح وأحلام، كما سيولد أيضاً المنظّرون محبو الذل ليتحدثوا عن حب الحياة، وليصفوا المقاومين بأنهم أحجار عثرة في مسار السلام.
هي الحرب، حرب الوجود الكلّي أو الاستشهاد في سبيله. في كل يوم، عند كل طعنة، يشهد العالم على الفلسطينيين في كل مكان، بأن بريق الفرح الذي يغزو شوارع المخيمات كلما ارتفع في سماء الحبيبة المحتلة اسم شهيد، دليل على فشل كل الحلول السلمية. حلول لا تتضمّن الحق بإرهاب كل صهيوني، سواء كان ببزّة عسكرية أو بثوب رياضي. حلول يجب أن تتضمن الحق بردًّ كل الوجع الى مسبّبيه من الصهاينة المحتلين، ولا ننسى أيضاً الأنظمة العربية المتواطئة والتي تفتتح أعمال قممها باستنكار وإدانة المجازر التي يرتكبها المحتل. تلك الأنظمة اعتادت التزلف للكيان المحتل عبر استنكار «أعمال العنف» التي يرتكبها المواطنون الفلسطينيون ضد «المدنيين الصهاينة» وجنود الاحتلال "الوديعين"، عسى الغرب يفتح لحاشيات تلك الأنظمة العميلة كيساً مليئاً بجوائز نوبل للسلام وألقاب سفراء النوايا الحسنة والسيئة. فلسطين التي نحبّ رأيناها منذ ثلاثة أسابيع، تسأل: "أنا بخير. كيفكم أنتم؟".