اكتشفت إسرائيل أن الإجراءات القمعية التي اعتمدتها غير مجدية في ردع الشبان الفلسطينيين. وبما أنها غير مستعدة لخيارات أكثر دراماتيكية تؤدي إلى انفجار شعبي فلسطيني واسع، ولا هي في الوقت نفسه قادرة على التكيف مع الواقع الذي فرضه الشبان وترك آثاره وتداعياته على المجال الأمني والاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل، كان لا بد من مخرج دولي.


وكما هي العادة، لم تبخل الإدارة الأميركية بالعمل على اجتراح حل احتوائي يلبّي المطالب الإسرائيلية المرحلية، ولا يعالج المشكلة من جذورها، بل حتى يقطع الطريق على أي توظيف يمكن أن تستفيد منه السلطة الفلسطينية، للضغط الذي يثقل على الواقع الإسرائيلي من أجل خيارات التسوية التي تتبناها رام الله، خاصة أن الغضب الفلسطيني ليس من الأداء الإسرائيلي إزاء هذه القضية أو تلك فقط، على أهمية كل منها. بل إن كل صور المقاومة الفلسطينية ليست سوى تعبير عن إرادة الرفض والتمرد على الاحتلال وإفرازاته.
ومع إعلان وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، التوصل إلى تفاهمات بين رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، ورئيس السلطة محمود عباس، والملك الأردني عبدالله الثاني، تتجه الأنظار نحو مفاعيل هذه التفاهمات المعلنة على المستوى الميداني، وهل سيعقبها تراجع في منسوب العمليات ضد المستوطنين والجنود الإسرائيليين أم لا؟


لم تكتب التفاهمات
بسبب التفسير المختلف
لها بين الأطراف

كيري كان قد أعلن أنه تلقّى وعداً من نتنياهو بأن إسرائيل ستحافظ على «الوضع الراهن» في المسجد الأقصى، وتلا أربع نقاط تسلمها من نتنياهو تصف فيها إسرائيل رؤيتها إلى «الوضع الراهن»، وهي كالآتي: «تحترم إسرائيل الدور الخاص للأردن في القدس كما تم تعريفه في اتفاق السلام بين البلدين، والدور التاريخي للملك عبدالله كحارس للمقدسات الإسلامية في القدس، ويلتزم نتنياهو أمام كيري بأن تواصل إسرائيل سياسة العبادة الدينية التي تطبقها منذ سنوات طويلة في الحرم، التي تقول إنه يمكن للمسلمين الصلاة في الحرم القدسي بينما يمكن لغير المسلمين زيارته ولا يمكنهم الصلاة فيه».
ضمن النقطة الأخيرة تأتي شرعنة اقتحامات الصهاينة ومن يسمى المتطرفون للأقصى تحت عنوان زيارته. وصرّح نتنياهو أخيراً بأن «إسرائيل لا تنوي تقسيم الحرم القدسي، وترفض مطلقاً أيّ ادّعاء بأنها تنوي عمل ذلك»، إضافة إلى ترحيبه بزيادة التنسيق بين إسرائيل والأردن بشأن القدس من أجل «التأكد من أن الزوار والمصلين في المكان يظهرون ضبط النفس والكبح واحترام المكان المقدس».
إشارة أخرى لفت إليها كيري، وهي أن نتنياهو وافق على نشر كاميرات مراقبة في محيط المسجد الأقصى، تسجّل على مدار 24 ساعة كل ما يحدث فيه. ونقلت تقارير إعلامية إسرائيلية عن كيري قوله إن من اقترح تركيب الكاميرات هو الملك عبدالله، انطلاقاً من أن «هذا سيوفر الشفافية ويردع الناس عن المس بقدسية المكان».
في المقابل، أكد رئيس وزراء العدو، عبر بيان أصدره مكتبه، أن «إسرائيل، واعترافاً منها بأهمية الحرم القدسي لمؤمني الأديان السماوية الثلاثة من يهود ومسلمين ومسيحيين، تؤكد مرة أخرى التزامها باحترام الوضع القائم غير المتغيّر في الحرم، بالقول وبالفعل». وأكد البيان النقاط التي أوردها كيري لجهة «حصر الصلاة في المسجد بالمسلمين، فيما يحق لغيرهم زيارته»، نافياً أن «تكون إسرائيل تسعى إلى تقسيمه».
على خط مواز، رأت تحليلات إسرائيلية أن التفاهمات بين إسرائيل والأردن والولايات المتحدة حول الوضع في الأقصى لن تقود إلى تهدئة الأوضاع. ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصادر مقربة من نتنياهو قوله إن ما أعلنه كيري عن التفاهمات «لا ينطوي على أي تغيير في الوضع القائم أو في ترتيبات زيارة اليهود إلى الحرم»، ولفتوا إلى أن الكاميرات ستبث إلى غرفة الطوارئ في الشرطة، وليس من الواضح هل ستحول الصور إلى الأردن. وأضاف مسؤول إسرائيلي أن «نصب الكاميرات أفضل بالنسبة إلى إسرائيل من المبادرة الفرنسية لنشر قوات مراقبين أجانب في الحرم».
كذلك رأت صحيفة «هآرتس» أن هناك بنوداً سرية في التفاهمات لم تنشر، قائلة إن «نتنياهو خطا خطوة في التفاهمات المعلنة»، لكنها عادت ولفتت إلى أن التفاهمات الحالية لم تكن خطية، وأن كلا الجانبين، الإسرائيلي والأردني، يريد ذلك. فمن جهة يرغب الجانب الإسرائيلي في التعتيم على التفاهمات كي لا يتعرض نتنياهو لضغوط من اليمين، والأردن يرغب في ذلك كي لا يعترف بأنه توجد مكانة لإسرائيل في القدس.
حول هذه القضية بالذات (التفاهمات غير خطية)، رأى موقع «واللا» العبري أنها على ما يبدو مرتبطة بتفسير كل طرف للتفاهمات. وأضاف الموقع: «من الصعب أن نصدق أن تركيب الكاميرات سيُخفض مستوى التوتر»، متسائلة: «هل ستمنع الكاميرات اليهود المتطرفين من اقتحام المسجد الذين لن يتركوا صلاتهم على باب المغاربة، بل سيبادرون مع دخولهم إلى الصلاة والشرطة تحيط بهم».
وشكك «واللا» في إمكانية تغيّر هذه الظاهرة، والأمر نفسه «ينطبق على الذين يحرّضون ضد إسرائيل ويتهمونها بالمس بالأقصى»، مستدركاً: «التفاهمات أثبتت أن القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية تعملان على خفض التوتر والعنف. ومن المحتمل أن يكون لذلك أثّر في الميدان، وربما أيضاً يؤدي إلى تراجع معدل العمليات في الأيام المقبلة».
وفي ما يتعلق بتقدير الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لمآل التطورات الميدانية، ذكر «واللا» أن هذه الأجهزة أجرت نقاشات عاصفة وحوارات غير بسيطة حول تعريف ما يجري في الميدان: «هل هي انتفاضة، أم إنها موجة إرهابية، أم أحداث عنف...؟ لكن جميع الأجهزة وافقت على أمر واحد، أنه حتى لو حدث هدوء، فسيكون مؤقتاً فقط، ثم سيأتي تصعيد إضافي أخطر منه، إذا لم يكن هناك مسار سياسي أكثر دراماتيكية».
على الصعيد الميداني (الأخبار)، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية ارتفاع حصيلة الشهداء في الضفة وغزة إلى 58 شهيداً منذ بداية الشهر الجاري. وقالت الوزارة إنه بإعدام دانيا جهاد ارشيد قرب المسجد الإبراهيمي في الخليل، برصاص قوات العدو، ظهر أمس، فقد ارتفع عدد الشهداء الأطفال إلى 14، بمعدل قتل طفل كل 48 ساعة، فيما بلغ معدل الإصابات في اليوم الواحد نحو 280 مصاباً. وفي المقابل، سجلت عمليتا طعن أمس، مع هرب منفّذ إحداهما وأعلن اعتقاله لاحقاً.