جيزان | تترجم جبهات القتال وراء الحدود إصرار اليمنيين على ردع العدوان الموغل في دمائهم. ويعكس الحضور المتنوع للمقاتلين اليمنيين في العمق السعودي سمات المقاتل العربي، معيداً إلى الذاكرة الصورة النمطية للقبيلة العربية المرتبطة بمنظومة أخلاقية عقائدية وعُرفية. ويتكوّن المقاتلون اليمنيون من ثلاثة عناصر (الجندي في الجيش، رجل القبيلة، و»اللجان الشعبية»). يخضع هؤلاء لدورات عسكرية لاكتساب مهارات قتالية عالية.


تتوزّع جبهات القتال الحدودية على تضاريس بيئية مختلفة جبلية وصحراوية وتمتد السلاسل الجبلية ـ كأبرز سمة بين الجبهات ـ على كامل المساحة الجغرافية في المناطق الحدودية (عسير، نجران، جيزان)، في وقتٍ اشتُهر فيه المقاتلون اليمنيون بخبرتهم في خوض المعارك الجبلية.
وللوصول إلى جبهات القتال وراء الحدود تداهم المقاتل اليمني مخاطر عدة (حربية وبيئية)، ليس أهونها جغرافية الأرض وتمدّد خطوط النار على كامل أرض الحدود، وهي أرض يعد العيش فيها تحدّياً في ظل الظروف الاعتيادية.
عسكرياً، تفرض الطائرات الحربية السعودية حالة من السيطرة الدائمة على مدار الساعة تشمل كيلومترات عدة قبل نقاط الترسيم الحدودي بين البلدين. وتتعامل الطائرات مع كل الأجسام المتحرّكة والثابتة كأهداف عسكرية (قرى، مزارع، وسائل نقل، أسواق، وحتى مخيمات النازحين). وهو تحدٍّ نجح المقاتل اليمني في تجاوزه معتمداً على أساليب قتالية امتزجت فيها قدرات الجيش مع خبرات مقاتلي «اللجان الشعبية»، الذين طوّروا أساليب قتالية تتناسب مع الظروف الجغرافية والبيئية.
وكان المقاتلون اليمنيون في بداية المعارك قد تمكنوا من تطهير معظم السلاسل الجبلية، ومن طرد حرس الحدود السعودي، الذين كانوا عبر سلاح المدفعية يستهدفون الطريق العام المتاخم للشريط الحدودي.
يوضح القيادي الميداني «أبو مرتضى» أن «الطائرات السعودية لا يمكنها أن تمنع تنقلاتنا بين مختلف الجبهات التي تمتد على مساحة شاسعة». ويضيف في حديث لـ«الأخبار» أن «الطائرات يمكنها أن تمنع الحركة في مساحة محدودة ولمدة قصيرة، وهذا أمرٌ تكيّفنا معه طيلة سبعة أشهر من العدوان بالاعتماد على أساليب عدة تجاوزنا فيها هذا التحدي، وأفقدنا سلاح الجو تأثيره في هذا المجال وفاعليته».
وتعدّ منطقة تهامة ـ الجبهة الغربية الشمالية ـ من أشد مناطق الجزيرة العربية حرارة، حيث تصل الحرارة فيها إلى 50 درجة في فصل الصيف، وهو تحدّ يُضاف إلى تحديات التضاريس الجبلية الوعرة الممتدة على مساحة جغرافية كبيرة. تمكن المقاتلون اليمنيون من التكيّف مع هذه الظروف بالرغم من انتمائهم لمناطق يختلف مناخها كلياً. ويبدي اليمنيون صبراً كبيراً حيث يرابط البعض في هذه الجبهة منذ بداية العدوان في ظل ظروف قاسية فرضتها الحرب. «أبو محمد» أحد أبناء المناطق الوسطى التقته «الأخبار» في أحد مواقع القتال يقول إنه «في البداية كان الأمر صعباً للغاية، وخصوصاً في أشهر الصيف لكننا تعوّدنا ظروفا كهذه، فالجهاد في سبيل الله والدفاع عن المستضعفين يستحق منا كل هذا العناء».


يعامل المقاتلون الأسرى السعوديين باعتبارهم «ضيوفاً»
وأضاف «أبو محمد» أن «الجنود السعوديين لا يتمكنون من الثبات في مواقعهم إلا في ظلّ محفّزات وأجواء من الرفاهية، حيث المكيّفات الهوائية والكهرباء التي تصل حتى إلى متارسهم». في المقابل، يقول المقاتلون اليمنيون إن «صبرنا وثباتنا في أوضاع قاسية كهذه هما أحد أسباب النصر الإلهي الذي نسعى لتوفير كل عوامله، وأن نؤهل أنفسنا له».
وبخلاف جبهة جيزان، تشهد جبهة عسير ذات الارتفاعات الجبلية الشاهقة جواً بارداً، وخصوصاً مع دخول فصل الشتاء، ولم تمنع هذه الظروف الصعبة المقاتل اليمني من المرابطة في هذه الجبهة.
وبالرغم من تعدد الأسباب الدافعة باليمنيين إلى ملء جبهات القتال وتلبية دعوات التعبئة العامة، إلا أن الدافع الإيماني يبرز كأهم عامل ينطلق منه اليمنيون للقتال. هو شعور نابعٌ من صلب الهوية الإيمانية للمجتمع اليمني، وينعكس في حضور المقاتلين من مختلف الانتماءات السياسية والمذهبية وبمختلف الفئات العمرية، ما يُكسب المعركة بُعداً عقائدياً متيناً، وهو بعدٌ لا يمكن فهم صبر اليمنيين وتجلّدهم وانتصاراتهم في حال إغفاله.
يعلّق أبو مرتضى على الموضوع: يشعر اليمنيون من اليوم الأول للعدوان عليهم بأنهم يدفعون ثمن حريتهم وانعتاق بلدهم من النفوذ السعودي المتسلط عليهم لعقود. ويضيف «لم تفلح السعودية في حرف مسار ثورتنا بمختلف الأساليب بما فيها ورقة التكفيريين»، ويتابع أن كل ما يقع علينا اليوم يصب في المحصلة في خدمة المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة والعالم باعتبار الثورة اليمنية حملت شعارات وتبنّت مواقف معادية لمشاريعهم».
وفي مصادفة جمعتنا في إحدى الجبهات مع لحظة وقوع جنود من الجيش السعودي أسرى في قبضة المقاتلين اليمنيين كان لافتاً طريقة التعامل التي يحظون بها من جانب اليمنيين منذ أسرهم في أرض المعركة حتى وصولهم إلى أماكن «ضيافتهم» كما يُسميها اليمنيون، باعتبارهم «ضيوفا» لا أسرى. يعمل المقاتل اليمني على تطبيب الأسير في حال إصابته، حيث يحمل على أكتاف اليمنيين لمسافات طويلة قد تتجاوز أحياناً الكيلومترات، وصولاً إلى مكان يبعد عن خطوط النار ويأمن فيها من استهداف الطائرات وخصوصاً أنها تستهدف الجنود السعوديين لمجرد الشك في وقوعهم أسرى أو إذا حاصرهم المقاتلون اليمنيون.