محمد زبيب

فشل الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للخصخصة النائب غازي يوسف في تقديم أي ردّ موضوعي على الخطّة التي طرحها وزير الطاقة والمياه ألان طابوريان من أجل التصدّي لمشكلة الكهرباء المتعاظمة، بل بدا كأنه يفتقر إلى الحدّ الأدنى من المعلومات المتصلة بهذا الملف في المناظرة التي جمعتهما (طابوريان ويوسف) في برنامج «كلام الناس»، مساء الخميس الماضي. وهذا الانطباع الذي تركه يوسف أمام المشاهدين لم يكن نابعاً من جهله أو عدم اطلاعه على المعلومات (وهي معروفة ومتاحة)، بقدر ما كان نابعاً من رغبة واضحة في التهرّب من الإجابة عن السؤال المحوري، الذي أصرّ طابوريان على طرحه مراراً وتكراراً، من أجل استدراج يوسف للكشف عن رؤية «تيار المستقبل» لكيفية معالجة هذه المشكلة العائمة والآليات التي يقترحها لتحقيقها في الواقع.
فالوزير المعني، الذي تعرّض في هذه الحكومة لشتى أنواع المضايقات والإقصاء وتجاوز الصلاحيات وصولاً إلى توجيه تنبيه خطّي له في سابقة غير دستورية، كان يريد أن يبرهن للمشاهدين، وعلى لسان أحد المسؤولين عن الملف الاقتصادي في تيار المستقبل، أن الموقف العدائي من خطّته لا يمت بصلة إلى الأفكار الواردة فيها، بل إلى الآليات المقترحة، التي تستبعد الخصخصة خياراً وحيداً من أجل توفير الطاقة الكهربائية بطريقة دائمة ومستقرة... ولعلّ يوسف فهم هذا الهدف منذ البداية، إلا أن تهرّبه من الإجابة جاء مكشوفاً، ولم يشفع له الاكتفاء بدور «المهاجم»، بل زاده انكشافاً، ولا سيما انه تسلّح بمجموعة من الأخطاء «الساذجة» في محاولته إظهار خطّة طابوريان بأنها «غير جدّية وفارغة وجاءت لتنسف كلّ الخطط السابقة»، ويبرر بالتالي سبب رفض الرئيس فؤاد السنيورة طرح هذه الخطّة على جدول أعمال مجلس الوزراء منذ كانون الثاني الماضي.
فالنائب يوسف اضطر إلى الموافقة على تشخيص الوزير طابوريان لأسباب مشكلة الكهرباء، باعتبارها ناجمة عن تقاعس الحكومات المتعاقبة (منذ عام 2001) عن الاستثمار في زيادة إنتاج الطاقة، ما أدّى إلى توسيع الفجوة بين العرض والطلب، لتبلغ حالياً حوالى 700 ميغاواط، أو ما نسبته 32 % من الطلب في أوقات الذروة، وهو ما يعادل 10 ساعات من التقنين يومياً خارج مناطق بيروت الإدارية وقرى الاصطياف والمنية... كذلك اضطر إلى الموافقة على أن الفجوة ستزداد اتساعاً، إذا استمر هذا التقاعس المقصود، لتبلغ 1700 ميغاواط في عام 2014، أو ما نسبته 58% من الطلب، وهو ما يعادل 15 ساعة تقنين يومياً... إلا أن يوسف أصرّّ على أن الحل يكمن في السماح للقطاع الخاص بالاستثمار في قطاع الطاقة، على الرغم من توضيحات طابوريان، المستندة إلى دراسة البنك الدولي عن أن كلفة إنتاج كل كيلوواط ساعة عبر استثمارات القطاع الخاص ستكون أعلى بما بين 1.6 و3 سنت بالمقارنة مع كلفة الإنتاج عبر القطاع العام، بسبب الفارق في كلفة التمويل بين القطاعين وحاجة القطاع الخاص إلى الربحية المرتفعة والضمانات في مقابل المخاطر... وبالتالي فإن الإصرار على خيار الخصخصة أو إشراك القطاع الخاص سيزيد عبء فاتورة الكهرباء على المجتمع اللبناني بما بين 320 مليوناً و600 مليون دولار سنوياً!
ولم يبد يوسف أي اهتمام يذكر بهذا العبء الإضافي الكبير، بل ذهب إلى حدّ عدم المبالاة بآثاره الاقتصادية والاجتماعية، باعتبار أن اللبنانيين يتكبّدون الآن عبء الفاتورة الثانية للكهرباء (مولّدات الأحياء)، وهم، في رأيه، سيكونون على استعداد لتحمّل فاتورة واحدة أكبر للحصول على الكهرباء، مستعيناً بتجربة امتياز زحلة من أجل البرهنة على أن الناس سيسددون فواتيرهم عندما تصدر عن القطاع الخاص، مشيراً إلى أن الجباية في زحلة تصل إلى 98 %، فيما مؤسسة كهرباء لبنان لا تجبي إلا أقل من نصف ثمن الطاقة المنتجة والموزّعة عبرها، مدَّّعياً أن هذه الإحصاءات صادرة عن إدارة المؤسسة نفسها، وهذا ما اضطر رئيس مجلس الإدارة ـــــ المدير العام للمؤسسة كمال حايك للاتصال بالبرنامج ونفي صحّتها، إذ إن الهدر الفني يبلغ 15% وسرقة التيار تبلغ 19%، ونسب الجباية تصل في بيروت ورأس بعلبك وكسروان والمتن الشمالي وصيدا ومناطق أخرى كثيرة إلى نسب أعلى مما هو محقق في زحلة... وهذا أيضاً ما دفع بالوزير طابوريان إلى تذكير النائب يوسف بأن المؤسسة تبيع الكيلوواط ساعة إلى امتياز زحلة بـ50 ليرة فقط ليعود ويبيعه الامتياز بأكثر من 120 ليرة، كمتوسط، ويحقق أرباحاً طائلة، معتبراً أن هذا نموذج من الخصخصة الذي يريد فريق يوسف فرضه على اللبنانيين بديلاً عن العتمة الشاملة.
إن خطّة طابوريان ترمي إلى توفير الكهرباء في غضون سنتين من تاريخ بدء تنفيذها عبر تركيب مولّدات بطاقة إنتاجية إضافية تبلغ 1000 ميغاواط على المدى القصير، وإنشاء معامل إنتاج جديدة بطاقة تبلغ 1500 ميغاواط على المدى المتوسط، شارحاً أهمية اعتماد استراتيجية محددة تقوم على تنويع مصادر الطاقة لتشغيل هذه المعامل، بحيث لا يُركز على مصدر واحد يتمثّل بالغاز المصري، مبرراً بذلك رفضه لمشروع سابق تسعى الحكومة إلى تنفيذه من أجل إقامة معمل جديد بالقرب من المعمل الحالي في دير عمار بطاقة 500 ميغاواط ويعمل على الغاز المصري، ويُموَّل عبر استثمارات القطاع الخاص (IPP)، فذلك سيؤدّي إلى وضع نصف الطاقة الكهربائية المنتجة في لبنان بعد إنشاء هذا المعمل رهينة لمزاجية سياسية تتحكم في علاقات الدول التي يمرّ عبرها أنبوب الغاز من مصر عبر الأردن وسوريا.
وهذا ما فشل يوسف مجدداً في الردّ عليه، فاختار أن يشنَّ هجوماً على فكرة طابوريان بإنشاء معمل يستخدم الفحم الحجري، معتبراً أن ذلك يهدد البيئة، فكانت المفارقة أن أبرز طابوريان البرنامج الانتخابي الاقتصادي الاجتماعي لتيار المستقبل الذي شارك يوسف في إعداده والترويج له، وهو يتضمن إمكان استخدام الفحم الحجري في إنتاج الطاقة، عندها انفعل يوسف هاتفاً: «اعتبر أن هذه الفقرة لم تعد موجودة في البرنامج... لقد شطبتها الآن».