أصبح لون التبغ في البقاع أصفر، بسبب مرض «الرمد الفطري» الذي يفتك بالشتول الخضراء وينتشر بسرعة كبيرة في الحقول. وللمرض علاج، إلا أنه باهظ الثمن، ما يقلّل من حظوظ المزارعين في إنقاذ موسمهم


البقاع ــ رامح حميّة
زراعة التبغ في البقاع إلى انحسار هذا العام، فتزايد المشكلات التي تواجه المزارعين وصل إلى حدّ تهديد شتلة التبغ بالموت قبل أوانها، فإضافة إلى معاناة المزارع البقاعي من تراكم الديون والخسائر منذ حرب تموز حتى اليوم، وعدم موافقة وزارة المال على رفع أسعار تسليم الرخص في إدارة «الريجي» أو حتى زيادة سقف كمية الرخصة من 300 كيلو إلى 400 أسوة بالرخص الجنوبية، فوجئ المزارعون هذا العام بمرض «الميلوديوم» (الرمد الفطري)، وهو مرض يصيب ورق التبغ ويجعلها صفراء، فيما تنتشر على الورق بقع فطرية بيضاء، وينتشر هذا المرض بسرعة بين الشتول وتمتد آثاره إلى التربة، ما يهدّد مواسم التبغ اللاحقة. ولهذا المرض علاج كيميائي، إلا أنه مرتفع الثمن، ما يصعب المهمة على المزارعين الرازحين تحت ديون ضخمة، ويهدد بالقضاء على موسم التبغ، إذا لم تلتفت إليهم الحكومة المقبلة، عبر دعم كلفة العلاج أو دفع تعويضات حرب تموز.
فبعدما استبشر مزارع التبغ البقاعي بابتكار وسيلة غرز جديدة توفر عليه الوقت والكلفة، فوجئ بمرض «الرمد الفطري»، وبـ«لفحة» الصقيع وحشرة المنّ، تغزو جميعها تلك الشتول اليافعة وتصبغها باللون الأصفر، الأمر الذي ينذر بكارثة وخسائر كبيرة قد تلحق بهذا القطاع. إذ يشرح المزارع علي شداد أن مرض «الميلوديوم»، انتشر بسرعة كبيرة، وأنه أصاب حقول سائر مزارعي التبغ في البقاع، موضحاً أنه استدان ثمن الأدوية والمبيدات لمعالجة الشتول من المرض الداهم، وهي تشكل عبئاً ثقيلاً مرهقاً خلال هذه الفترة، تضاف إلى أكلاف رخصة التبغ التي توقفت أسعارها عند حد معين ولم يطرأ عليها أي تعديل، فيما لم تلبّ مطالب المزارعين بزيادة الكميات المسلّمة إلى إدارة الـ«ريجي» من 300 كيلوغرام من التبغ إلى 400 أسوة بالكميات المسلمة في الجنوب. وأمل شداد أن يعطي الدواء نتيجة، وإلا فالموسم «راح يضيع بالكامل ورح تنخرب بيوتنا»، لافتاً إلى أن ضياع الموسم الحالي سيوقعه بديون كبيرة، وخصوصاً أنه لن يستطيع سداد أجرة العمال، وأكلاف المحروقات والأدوية والمبيدات.
من جهته، أشار المزارع حيدر الحاج يوسف (رئيس بلدية السعيدة) أن شتول التبغ في البقاع تعاني حالياً من حالتين مستفحلتين تتمثلان بمرض الرمد الفطري والمن، ورأى أن أسعار الأدوية والمبيدات التي يحتاجها المزارع مرتفعة جداً، ولا يمكن جميع المزارعين تأمينها كما لا يمكنهم الاستغناء عنها لكونها ملحّة ويجب تأمينها بسرعة للحفاظ على الموسم الحالي.
وأوضح الحاج يوسف أنه لا سبيل لمساعدة المزارعين في مواجهة مرض الرمد الفطري إلا عبر دعمهم أو دعم كلفة المبيدات الخاصة في القضاء على المرض، فوزارة المال هي التي تمارس سلطة الوصاية على إدارة «الريجي»، وبالتالي يجب عليها أن تساهم في تأمين بدل النفقات الإضافية التي يتكبدها المزارع حالياً، مستغرباً الرد الذي يطالعه به المسؤولون عندما يطالب بتعويضات حرب تموز، بحيث يقولون «إننا لم ننته بعد من دفع التعويضات للمناطق الأخرى»، متسائلاً: «وهل البقاع موجود في الدرجة الأخيرة والسفلى من الترتيب؟».
أما المزارع علي حميّة فقد رأى أن السبب في استفحال مرض «الميلوديوم» (الرمد الفطري) يعود إلى الشتول التي استقدمها مزارعو التبغ البقاعي من الجنوب، حيث كانت مريضة بفعل الرطوبة العالية وتأخّر الأمطار هذا العام، مشيراً إلى أن ابن البقاع يستقدم شتل الجنوب، في المرحلة الأولى من بدء الزرع، لأن الصقيع يمنع نمو المشاتل بسرعة في البقاع، وأكد أن مرض الرمد ينتقل بالعدوى إلى الشتول الأخرى، حتى إنه يصيب الأرض المجاورة للشتول المريضة ويفسد التربة، وبالتالي فإن عدم معالجة المرض والقضاء عليه سيؤدي إلى القضاء على المواسم المقبلة.
وأضاف حمية أن المزارع، ضمن إطار معالجته للمرض، يبقى تحت رحمة التجار الذين يبيعون الأدوية من دون دراسة آثارها على الشتول. وحين يفشل العلاج يتذرع التجار بأن الدواء جيد، إلا أن المزارع لم يستخدم الكمية المطلوبة، أو لم يحسن استخدام الدواء، فيما إدارة الـ«ريجي» سلّمت المزارعين أدوية لا تفي بالغرض، وبعضها أوشك تاريخه على الانتهاء.
وأكد أن ثمة أدوية موجودة لعلاج مرض «الرمد الفطري»، لكن سعره يشكل عبئاً كبيراً على المزارع، وينحصر استخدامه بالفئة الغنية من أصحاب الأراضي الزراعية. وقد لفت عدد من أصحاب صهاريج رش المبيدات والأدوية إلى وجود طلب كبير عليهم من قبل مزارعي التبغ لرش أدوية خاصة بالرمد الفطري والمنّ، وإلى أنهم يعطون الأولوية للمزارعين لأن موسمهم على المحك فيما لو تأخّروا عن رش شتول التبغ.
تراكم الأزمات والديون على مزارعي التبغ في البقاع، وعدم اهتمام الدولة بمشاكلهم وعدم دفع مستحقاتهم من تعويضات حرب تموز أسوة بكل المتضررين من غير المزارعين الذين تم التعويض عليهم، تدفع العديد من هؤلاء المزارعين إلى الاستغناء عن رخصهم، والاعتماد على زراعات جديدة بدأت تتطور وتنتشر في المنطقة وهي زراعة الورد. أما الباقون فلا يؤخرهم في القيام بهذه الخطوة إلا ديونهم المستحقة للمصارف، بحيث رهنوا رخصهم بغية تأمين السيولة اللازمة لسداد الديون المترتبة عليهم لأصحاب المحطات والصيدليات الكيميائية وحتى أصحاب الجرارات الزراعية.
وأشار حمية إلى أن ما يمنع بعض مزارعي التبغ من التخلي عن رخصهم هو أنها «مرهونة للمصارف». ويشرح أن حرب تموز كانت نقطة التحول الفعلية حيث كانت تترتّب على المزارعين ديون للمحروقات والحراثة والأدوية والعمال، وحينها بقي ورق التبغ من دون حصاد بسبب القصف والقنابل التي انتشرت في الحقول، مضيفاً أن الموسم الذي تلاه كان ضعيفاً جداً، بسبب موجة الصقيع التي ضربت المنطقة، ما جعل الديون تتراكم وتدفع معظم مزارعي التبغ في البقاع إلى رهن رخصهم.
ورأى حمية أن زراعة التبغ تتعرض لسياسة ممنهجة، الهدف منها إطاحة هذه الزراعة وحتى الزراعة البقاعية عموماً والاعتماد على السياحة، والخدمات التي هي غير موجودة أيضاً. ورأى أن الحل الذي يساعد على تخطّي الأزمة هو تعويضات حرب تموز التي تجعل المزارع يتحرر من الديون لينطلق من جديد بزخم أكبر.