القاهرة | تتجدد جولة جديدة من جولات الصراع بين شيخ الأزهر في مصر أحمد الطيب، ووزير الأوقاف محمد مختار جمعة، في إطار سعي الثاني إلى تحويل الوزارة من مؤسسة تابعة لـ"الأزهر" إلى مؤسسة مستقلة بذاتها.

جمعة كان قد أصدر تعميماً على علماء ودعاة "الأوقاف" بنسب أنفسهم إلى الوزارة في الأحاديث الإعلامية، وخصوصاً في إذاعة القرآن الكريم، التي تعتبر الإذاعة الشعبية الأولى في مصر، ودأبت على استضافة علماء وشيوخ ودعاة "الأوقاف" بصفتهم علماء من الأزهر الشريف. وقد أراد جمعة من ذلك تقديم الوزارة على أنها كيان يوازي الأزهر.

ولا يزال جمعة يواصل هذا النهج رغم أنه كان محتملاً بقوة خروجه من منصبه في التغيير الوزاري الأخير الذي أطاح إبراهيم محلب من رئاسة الوزراء وأتى بشريف إسماعيل لخلافته، ولكن وزير الأوقاف بقي في منصبه لأسباب يبدو أنها أمنية، فهو يحظى بدعم بعض الأجهزة الأمنية تحت لافتات "الحرب على الإرهاب، وتجديد الخطاب الديني، ومواجهة الإخوان المسلمين والسلفيين".
وبما أن الوقت كان ضيقاً لتشكيل الحكومة الجديدة (نحو أسبوع)، وقد كانت قائمة الأسماء التي قدمها شيخ الأزهر لخلافة جمعة تشهد اعتراضات من بعض الأجهزة الأمنية، تقرر في النهاية بقاء جمعة في منصبه، كما تقول مصادر في "الأوقاف" لـ"الأخبار".
اللافت أيضاً أن جمعة أتى إلى الوزارة من عضوية مجلس إدارة "الجمعية الشرعية"، وهي من أكبر الجمعيات الأهلية الخيرية في مصر. ورغم أن هذه الجمعية لا تتبع أياً من التيارات السياسية الإسلامية في البلاد، فإنها تحظى بقبول واسع من غالبية الأطياف، نظراً إلى بعدها التام عن الشأن السياسي وانشغالها بالعمل الخيري الاجتماعي فقط، ولكنها لم تسلم من "انقلاب" جمعة عليها وعلى المساجد الواقعة تحت إدارتها.
وسط هذه المعركة، دخل وزير الأوقاف في حالة بيات شتوي بعد إتمام التشكيلة الجديدة؛ فالرجل الذي أدمن الظهور في وسائل الإعلام، اختفى تقريباً من المشهد السياسي في الجمهورية، ربما ليقينه بأن بقاءه في مقعده أمر مؤقت، على ضوء تداول الأروقة الإعلامية والسياسية في القاهرة أن خروج الرجل بات مؤكداً في أول تغيير وزاري مقبل، خصوصاً أن بعض التسريبات تحدثت عن تورطه مع وزراء آخرين وإعلاميين متنفذين في قضية فساد وزارة الزراعة الأخيرة، التي أجبر فيها وزير الزراعة السابق صلاح هلال على الاستقالة من منصبه قبل القبض عليه من ميدان التحرير، في واقعة فريدة من نوعها.
ومن المعروف أن شيخ الأزهر، الذي يعادل منصبه بروتوكولياً "رئيس وزراء"، هو من يرشح وزير الأوقاف في مصر، وهو من يقيله، باعتبار أن "الأوقاف"، وإن كانت وزارة، فإنها تابعة لـ"الأزهر" وفق الأعراف التراتبية التاريخية.
وتتلقى الرئاسة أيضاً ترشيحات وزراء الأوقاف من مكتب شيخ الأزهر، كذلك فإن تقييم الوزير يخضع لعوامل كثيرة، من بينها رأي مشيخة "الأزهر" في الوزير وطروحاته، وهو ما جرى مع جمعة الذي رشحه الدكتور أحمد الطيب لمنصبه، قبل أن تتوتر العلاقة بين الاثنين.
وأسباب توتر العلاقة بين المؤسستين غير معروفة على وجه اليقين، لكن من بينها ما يمكن وصفه بـ"الطموح الشخصي" لوزير الأوقاف سعياً إلى خلافة شيخ الأزهر، الذي يقاوم ضغوط مؤسسات وجهات نافذة في الدولة، حاولت إزاحة عباس شومان من منصبه في وكالة الأزهر مقابل تمسك الطيب به.


غالبية التقديرات تشير إلى خسارة جمعة نتيجة الصراع مع الطيب

كذلك تمسّك الطيب بمحمد عمارة في عضوية "مجمع البحوث الإسلامية"، رغم المحاولات المستميتة لعزل عمارة على أيدي أجهزة وتيارات في الدولة ترى في موقفه ممّا جرى في "30 يونيو" و"3 يوليو" موقفاً مناوئاً للدولة، إضافة إلى أنها حسبت عمارة على جماعة "الإخوان المسلمين"، قبل أن تنجح في دفع عمارة إلى الاستقالة من منصبه في رئاسة تحرير مجلة الأزهر الشريف. ثم جاء تمسك الطيب به في مجمع البحوث، وهو أعلى هيئة فقهية في الأزهر ويرأسه الطيب بنفسه.
وفي هذا الصراع، انحازت مؤسسات قوية في هرم السلطة إلى جمعة الذي لا تخفى قطيعته مع الطيب، في حين أن الأخير امتنع عن حضور أي مؤتمرات تنظمها "الأوقاف". وبينما تستمر مؤتمرات الوزارة المطالبة بتجديد الخطاب الديني والحرب على الإرهاب، يرى الأزهر أنه صاحب الإشراف المباشر عليها، فيما تعمل الوزارة تحت مظلته.
مع ذلك، فإن انحياز مؤسسات القوة إلى وزير الأوقاف يصطدم بالحصانة القانونية التي يتمتع بها منصب شيخ الأزهر التي تمنع عزله من منصبه.
يقول الباحث المتخصّص في الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، إن "القاعدة المتعارف عليها في البيروقراطية المصرية أن وزير الأوقاف يعيّن ويقال بترشيح من شيخ الأزهر، الذي تستشيره الدولة في تعيين الوزير، لا إلزاماً ولكن كعرف قديم، وهو ما يعني بالضرورة أن أي وزير في الأوقاف يأتي يجب أن يكون مرضياً عنه من جانب المشيخة".
ويستدرك فرغلي: "هذا العرف جرى تجاوزه مرة واحدة بتعيين طلعت عفيفي وزير الأوقاف في عهد محمد مرسي، رغم رفض المشيخة له، قبل أن تلتزم الدولة بالعرف مرة أخرى، وتعيّن طلعت بموافقة المشيخة".
ويرى الباحث أن وزير الأوقاف هو الخاسر في صراعه مع مشيخة الأزهر، "لأن البيروقراطية الأزهرية صعبة جداً، كذلك فإن طموحه إلى أن يكون هو الكل في الكل يصطدم بحقائق ما يقدمه على الأرض من غياب أيّ إنجاز ممّا طلبته الرئاسة... لا تزال المساجد المحسوبة على السلفيين واقعة تحت إشرافهم، كذلك فإن ارتباطات الرئاسة والأزهر تجعل الرئاسة تنظر إلى الأوقاف كجزء من الأزهر يعمل تحت مظلته، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى إطاحة جمعة من منصبه في أول تغيير وزاري".