لم تكن سيطرة تنظيم «داعش» على مدينة الموصل العراقية في 10 حزيران من العام الماضي سوى شرارة بدء الولايات المتحدة الأميركية بالإعداد لعملية جوية تستهدف التدخل العسكري المباشر في سوريا والعراق، تحت عنوان «التحالف الدولي»، لمحاربة التنظيم المتشدد.


ومع أن الإعداد الأميركي للتدخل المباشر سابق لاحتلال إرهابيي «داعش» للموصل على الأقل بشهر واحد، بعد عدّة تقارير إعلامية عن نقل الأميركيين قوات ومعدات من أفغانستان إلى الكويت في بداية شهر أيار، أكّد أكثر من مسؤول أميركي أن «سيطرة الإرهابيين على المدينة كانت مفاجئة»، خلافاً للمنطق، إذا ما أُخذت بعين الاعتبار قدرات الجيش والاستخبارات الأميركيين، الأمنية واللوجستية والتقنية، لرصد تحرّك عسكري على هذا المستوى، خصوصاً في العراق. وكشف رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، بعد سقوط الموصل، عن تحذيره حكومة بغداد، قبل ستّة أشهر، من حشود للتكفيريين على مقربة من الموصل تستعد لاجتياحها، من دون أن يقوم أحد بأي ردّ فعل! بينما كشفت تقارير صحافية في حزيران 2014 أن الأميركيين قاموا بنقل إمدادات عسكرية إلى أربيل قبل سقوط الموصل بستة أسابيع على الأقل. هذا فضلاً عن حادثة فرار أكثر من 1000 من عتاة التكفيريين من سجن أبو غريب، في عملية مشبوهة، قبل أشهر من سقوط المدينة، لتؤكّد بعدها الاستخبارات العراقية تورّط ضباط كبار في الجيش العراقي في عملية الفرار. واللافت أن الفضيحة لم يعقبها أي تحقيق ولم يعاقب أحد بسببها.
ومنذ بدأت عمليات «التحالف الدولي» قبل 13 شهراً، ظهرت عدّة حالات يمكن وصفها على الأقل بالـ«مريبة»، في الميدانين العراقي والسوري، تصبّ جميعها في خانة توظيف الأميركيين لانتشار التنظيم الإرهابي، وتوظيف العمليات العسكرية ضدّه وفق التوقيت والمصلحة الأميركيين بتقسيم العراق وسوريا وتفتيتهما، على حساب الجيش العراقي والقوات الرديفة له، الذي تدّعي الولايات المتحدة دعمه في الحرب على الإرهاب، والجيش السوري الذي تكنّ له كل العداء.
ويمكن ببساطة الوصول عبر موقع «يوتيوب» إلى مقاطع فيديو لطائرات أميركية تلقي بالأسلحة خلف خطوط «داعش» على المحاور في معارك المقدادية في محافظة ديالى، والضلوعية في محافظة صلاح الدين العراقية. وفي السياق، يؤكّد مصدر دبلوماسي عراقي لـ«الأخبار» أن خمس طائرات نقل عسكرية «مجهولة الهوية» حطّت في مطار تلعفر في مدينة الموصل في شباط الماضي، علماً بأن المطار يقع تحت سيطرة «داعش». وسبق للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي أن اتهم الأميركيين بإلقاء الأسلحة لـ«داعش» من الجو في بعض جبهات القتال. وكذلك الأمر بالنسبة إلى بعض المسؤولين العراقيين، كرئيس «لجنة الأمن والدفاع» في البرلمان العراقي حاكم الزاملي. وتبيّن للجنة بعد التحقيقات رمي عدّة دفعات من الأسلحة من طائرات «مجهولة» لداعش في ضواحي بغداد، ما دفع بالسفير الأميركي ستيوارت جونز إلى إصدار بيانَي نفي خلال أسبوع واحد.
كذلك يُعدّ سقوط مدينة الرمادي العراقية «مريباً» أيضاً، وعدم وصول التحقيق الذي طلب رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي إجراءه إلى أي نتيجة، فيما اتهم المتحدّث باسم كتائب حزب الله العراق، جعفر الحسيني، الضباط العراقيين بـ«الانسحاب من دون مبرّر»، ما أسقط الرمادي وعجّل في سقوط مدينة تدمر السورية.
وبعيداً عن نظرية «المؤامرة» بالدعم العسكري الأميركي المباشر للتنظيم الإرهابي، يضع المصدر الدبلوماسي العراقي الأمر تحت خانة «الجدولة الزمنية الأميركية لقتال التنظيم، تفادياً لتقدم القوات العراقية بشكل سريع، عكس رغبة التحالف الدولي». ويقول المصدر إن «السبب هو رغبة الأميركيين في إعداد قوات مقاتلة تتناسب وأجندتهم»، وعبّر وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر قبل فترة عن أن النموذج الأبرز عن هذه القوات هو «قوات البشمركة الكردية للإمساك بالأراضي التي يتم طرد داعش منها»، لا سيما المعلومات عن إعداد 12 ألف مقاتل «سنّي» حتى الآن لاسترداد مناطق الغرب. وبالتالي، فإن هذه الأراضي «المحررة» لن تعود بعد «تحريرها» إلى سلطة بغداد.
وبحسب المصدر، فإن الأميركيين رسموا «خطوطاً حمراً» على فصائل المقاومة، بـ«منعهم من الدخول إلى غربي العراق، عبر ضغوط تمارس على رئاسة الحكومة لعدم تقديم دعم لأي معركة لها علاقة بالغرب».
فالأميركيون يريدون «داعش» قوياً بما يكفي للابتزاز، ولكن لا يريدونه قوياً للتمرد عليهم. والدليل، بحسب المصدر، أنه في مقابل الدعم الأميركي المباشر لـ«داعش» في بعض الجبهات، «بطشت» الطائرات الأميركية بقوافل «داعش» عند الاقتراب الجدي وتهديد «حدود كردستان»، علماً بأن مسؤولي الاتحاد الوطني الكردستاني اعترفوا في الإعلام بأنه «لولا (قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم) سليماني ومجموعته العسكرية التي توجهت إلى أربيل، لسقطت أربيل، لأن الاستجابة الأميركية لم تكن فورية».
وتشير مصادر أمنية عراقية إلى أنه «في حوزة الأجهزة الأمنية العراقية معلومات دقيقة عن منطقة الوادي الأبيض في صحراء الأنبار قرب الحدود العراقية ــ السورية، التي تضمّ تجمعات لتنظيم داعش وغرف تحكم وسيطرة وقيادة وغرف عمليات، والأميركيون يعرفون هذه المعلومات، ومع ذلك، لم يستهدفها أيّ قصف من طائرات التحالف».
وبحسب المصادر الدبلوماسية، فإن «القوات العراقية والإيرانيين مضطرون إلى تصفية داعش في غربي العراق، لأنه كلما ازداد القصف الروسي على معاقلهم في الشرق السوري توجهوا إلى الغرب، ونحن نسعى لوحدة الجبهتين، بينما يهمّ الأميركيين فصل الجبهات».

«تسريب» المعلومات عن الغارات في سوريا

أما في سوريا، فالأمثلة عديدة أيضاً، بدءاً من معركة عين العرب أو كوباني، إذ لم تبدأ المعركة الفعلية إلّا بعد الإعلان عن وصول حفنة من مقاتلي البشمركة إلى داخل المدينة عبر الحدود التركية. كذلك لم تقم الطائرات الأميركية بقصف أرتال «داعش» إلّا بعد دخولها إلى قرى الخابور في الحسكة، وقيامها بحملات تهجير واسعة على غرار تهجير العراقيين الأيزيديين في جبل سنجار، فيما تُرك إرهابيّو «داعش» لنقل المعدات القتالية من مدينة الرمادي العراقية إلى محيط مدينة تدمر السورية، ومن مدينة الرقة، تمهيداً لإسقاط تدمر. ولم توثّق حتى الآن حالات رمي الطائرات الأميركية أسلحة لإرهابيي «داعش»، ربما لاختلاف ميزان القوى في الغرب العراقي عن الشرق السوري، إلّا أنه ثَبت حياد الأميركيين في الهجوم الأخير على مدينة الحسكة والمعارك مع الجيش السوري، لتتدخل الطائرات لاحقاً في الأماكن التي رسمت فيها وحدات الحماية الكردية «حدودها» في محيط المدينة، وكذلك في معارك تل أبيض.


الأميركييون
رسموا «خطوطاً
حمر» على فصائل المقاومة، بـ«منعهم من الدخول إلى
غربي العراق

وليس خافياً أن طائرات التحالف الدولي لم تقم بأي غارة ضد مواقع داعش منذ ستة أيام، بالتزامن مع الهجوم العنيف الذي يشنّه التنظيم على طريق حلب ــ خناصر، على الرغم من أن «داعش» قام بنقل قواته بشكل مكشوف من دير الزور والرقة خلال الأيام السابقة للهجوم، كذلك فإن التنظيم أرسل عدة أرتال من الرقة إلى خناصر، تألف أحدها من أكثر من مئة سيارة! علماً بأن طائرات التحالف الأميركي قد شوهدت في أجواء المنطقة خلال نقل الأرتال، ومن بينها تحديداً طائرة أواكس أميركية من طراز «E-3 Sentry».
وفي المعلومات، أن الأجهزة الأمنية السورية وثّقت بداية الأسبوع الماضي اتصالاً بين أحد قيادات «داعش» البارزين في مدينة دير الزور، وأحد «الوسطاء» خارج الأراضي السورية، يسرّب فيه الأخير نيّة الطائرات الأميركية القيام بقصف مركز تحكّم وسيطرة للتنظيم في محيط المدينة بعد وقت محدّد، ما دفع بالتنظيم إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة وإخلاء الموقع قبل عملية القصف. وتنوي الحكومة السورية، بحسب مصادر دبلوماسية، رفع رسالة إلى الأمم المتحدة حيال هذا النوع من التسريب ودعم التنظيم الإرهابي.
ويصرّ الأميركيون على أن برنامجهم لقصف «داعش» يرتبط مباشرة بتأهيل قوات ما يسمّى «المعارضة المعتدلة» للإمساك بالأراضي التي يتم «تحريرها». وقد أصرّ كارتر في زيارته الأخيرة لبغداد على ضرورة «نقل النموذج العراقي إلى سوريا وتأهيل المعتدلين».
في المقابل تصرّ روسيا على أن أهداف طائراتها هي أهداف الجيش السوري، وهي تعتمد على الجيش و«الفيلق الرابع ــ اقتحام» الذي جرى تشكيله حديثاً للقيام بعمليات التقدم البري، وبالتالي تعود الأراضي التي يتم تحريرها إلى كنف الدولة السورية. وفي الوقت نفسه، فتح الروس المجال للحوار مع المسلحين المنضوين تحت مسمى «الجيش الحر»، ما يعدّ مدخلاً سياسياً.




«التحالف» يدمر المنشآت الحيوية

على رغم اعتراف المتحدث باسم قيادة عمليات التحالف في سوريا والعراق، ستيف وارن، بـ«تقليص الغارات الجوية التي يشنها التحالف ضد داعش في سوريا في شهر أيلول»، تعمّد الأميركيون قصف عددٍ من المنشآت الحيوية السورية من دون مبرر عسكري، كان آخرها قصف المحطتين الحراريتين في حلب. وتعدّ وزارة الخارجية السورية تقريراً لرفعه إلى الأمم المتحدّة حول «ضرب طائرات التحالف الدولي المنشآت الحيوية السورية بغاية تدمير مقدرات البلد». ويذكر التقرير عدّة مواقع قام الأميركيون بقصفها، كحقلين تابعين لمديرية حقول الجبسة في الحسكة بتاريخ 12 أيلول. وفي 25 أيلول، قصفت طائرات التحالف بئر طابية 202 وبئر طابية 301 في دير الزور، ثمّ جرى الاعتداء على البئرين مجدداً، وجرى تدمير الـ 301 بشكل كامل. كذلك وثّقت الخارجية السورية قصف معمل القرميد في محيط مدينة الرقة وتدميره بشكل كامل مع آلياته، من قبل طائرات «التحالف». وتشير مصادر دبلوماسية سورية لـ«الأخبار» إلى أن «عمليات القصف تأخذ طابع العقاب الجماعي للشعب السوري في مقابل دعم الإرهابيين وتحييد مواقع داعش الفعلية».