دير الزور | عشرة أشهر من الحصار المطبق الذي ينفذه تنظيم «داعش» على الأحياء الواقعة تحت سيطرة الجيش السوري في مدينة دير الزور. أعقب الحصار معارك عدّة للسيطرة على المدينة ومطارها العسكري، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل، بفعل تماسك جبهات الجيش في المدينة وخبرة المقاتلين فيها.


أكثر الجبهات تعرضاً للهجمات هي جبهة المطار العسكري، الذي تعرّض منذ عيد الأضحى حتى الآن لأكثر من عشر غزوات «داعشية»، استخدم فيها التنظيم أكثر من خمس عشرة مفخخة مكّنته من السيطرة على معمل السيراميك، الذي سرعان ما استعاده الجيش بعد يومين من سقوطه. المطار الذي يقع في نقطة محوريّة جنوب شرق المدينة، ويبعد عنها نحو 10 كلم، تحوّل أخيراً إلى نقطة «كسر عظم» بين الجيش و«داعش» الذي عمد إلى تحويل بلدة الموحسن، المجاورة للمطار، إلى معقل له، وخط إمداد يمكّنه من زيادة الضغط على الجيش المتمركز في المطار، والذي تحوّل محيطه إلى خطوط تماس مع مواقع «داعش» في المريعية وحويجتها شرقاً، وجبل الثردة والجفرة في الجهتين الجنوبيّة والشماليّة، فيما تعتبر الجهة الغربيّة خط إمداد للجيش بين المطار والمدينة. طبيعة المعارك وقسوتها والتي تمتد فيها الاشتباكات أحياناً يوماً كاملاً دون توقّف، تؤكد استماتة التنظيم للسيطرة عليه، يقابلها استماتة دفاعية من الجيش و«مقاتلي العشائر» و«الدفاع الوطني» المرابطين فيه. يقول قائد ميداني، على جبهة المطار لـ«الأخبار»: «تعودنا على المعارك هنا، عشر معارك منذ شهر حتى الآن، حفظنا أسلوب المسلحين عن ظهر قلب. هم جبناء، سلاحهم المفخخات والقنص، سندافع حتى آخر رصاصة عن المطار والمدينة». فيما يعكس حديث قائد المطار إصرار المقاتلين على الدفاع عن المطار، فيقول أحدهم: «لن أغادر المطار لقضاء أي إجازة، إلا بعد أن تعود طائرات اليوشن للهبوط مجدداً، ونستعيد النقاط التي خسرناها في محيطه، أو محمولاً على النعش، وهكذا يفكّر كل من يقاتل هنا». ويضيف: «حركة الملاحة للطائرات الحربيّة تعمل بشكل طبيعي، وبنك الأهداف للغارات ينفذ بشكل اعتيادي، فيما تم تحويل هبوط المروحيّات إلى نقطة آمنة في محيط المدينة كونها تحتاج إلى وقت أطول في الهبوط، ما يعرضها للمخاطر». الجولة على نقاط الجيش في محيط المطار تكشف تحصينات ضخمة، وخنادق عديدة تفادياً للقنص، والأسلحة متنوعة، وخاصّة الثقيلة منها منتشرة على طول خط المواجهة، وأكثر من قاعدة للصواريخ المضادة للدروع منصوبة لمواجهة المفخخات. كل شيء يوحي بجاهزية عالية، تفسّر حالة الصمود المستمرة للمقاتلين، وعجز التنظيم عن الوصول إليه. يروي أحد الجنود عن طبيعة المواجهات، قائلاً: «منذ ليلتين أرسلوا دبابة مفخخة دمرناها بصاروح مضاد للدروع، وكعادتهم ألحقوا المفخخة بهجوم بري». ويتابع: «هذه المرّة أرسلوا لنا أطفالاً معظمهم دون سن 15 («أشبال الخلافة»)، ورصدنا خلفهم قناصين لاستهداف أي منسحب منهم، قتلناهم جميعاً، كانوا أكثر من عشرين، حاولوا اختراق نقطتنا».
إلى شمال المطار، ينتشر الجيش في مساحة واسعة من قرية الجفرة ومعمل السيراميك. قسم من المقاتلين هم من مدنيي القرية الذين يحملون السلاح إلى جانب الجيش. الحياة في الجفرة تبدو اعتيادية رغم الاشتباكات اليومية في هذه الجبهة الهامّة التي تخوض كما المطار حرباً مع «داعش». الفرن يعمل والأهالي منهمكون بزراعة الأرض بالخضروات والبقوليات التي تؤمن لهم طعامهم. معظم أجزاء القرية تحت سيطرة الجيش، وعلى مقربة من أحد المواقع في القرية تظهر راية «داعش» السوداء... خط التماس بين الطرفين أقل من مئة متر. وخلف إحدى «الطلاقيّات» يقف قناص الجيش، مؤكداً لـ«الأخبار»: «معركتنا، معركة وجود، كل يوم يحاولون اختراق جبهاتنا، نرصد تحركاتهم جيداً، قتلنا منهم الكثير، وثقتنا بأن النصر سيأتي لا محالة». في «دشمة» قريبة، يشير عنصر آخر إلى أنّ «الروس بدأوا استهدافهم، هذا يعطينا معنويات، سنتقدم باتجاه مواقعهم قريباً». وفي جبهة معمل السيراميك يرابط جنود الجيش، ومعهم مقاتلون من عشيرة الشعيطات. يحدثنا أحدهم، قائلاً: «ثأرنا كبير لدى الدواعش، لو ذهبوا إلى القمر سنلحقهم، سنقتل منهم أضعاف ما قتلوا من أبناء ونساء عشيرتنا، ونفتخر بأننا نقاتل إلى جانب الجيش». إصرار الجيش والقوى المساندة له في المدينة على استمرار الدفاع عن مواقعهم، يفنّد ادعاءات عدّة عمدت مواقع التواصل الاجتماعي إلى نشرها بأن الجيش منهك في المدينة، وأن «داعش» يقترب من السيطرة عليها. يقول قائد قوات الجيش في المدينة، لـ«الأخبار»، «خطوطنا الدفاعيّة متماسكة، وعدد قتلى المسلحين تجاوز المئات خلال هجماتهم الأخيرة. سيكون المطار ودير الزور مقبرة لهم». وتؤكد مصادر ميدانيّة أن زيادة عدد القتلى من أبناء ريف دير الزور في المعارك الأخيرة، وانكفاء المسلحين الأجانب عن خوض المعارك على جبهة المطار أدى إلى اندلاع اشتباكات بين الطرفين، وهو ما أدى إلى انخفاض في وتيرة المعارك في محيطه ولو نسبيّاً. كما أن سماح التنظيم لأهالي قرى الجنينة والحسينية بالعودة إلى منازلهم أخيراً، بعدما كان قد طلب منهم مغادرتها لـ«فتح ولاية الخير» (دير الزور) يعكس فشل التنظيم في تحقيق أي تقدم في المدينة.