طهران | يجمع وزير الخارجية محمد جواد ظريف حقيبته ويرتب أولويات اللقاءات في العاصمة النمساوية فيينا، حيث سيتوجه لحضور الاجتماع المخصص لحلّ الأزمة السورية، بحضور خصوم طهران وحلفائها. الرحلة الإيرانية ستكون مزدحمة بالمواعيد، ولذلك قرّر ظريف أن يصطحب معه «المستشارين الرئيسيين» لملف الأزمات، حسين أمير عبداللهيان وعباس عراقجي.


مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية، حسين أمير عبداللهيان، يمكن حصر اختصاصه حالياً بالأزمة السورية، فهو أكثر العارفين بتفاصيلها وتطوراتها، ويشرف على إدارتها، فلا يحطّ مسؤول أممي في طهران، ليحاول فتح النقاش السوري، إلا ويجد رجل المهمات الصعبة أمامه. من هذا المنطلق، سيكون عبداللهيان عين إيران للأزمة السورية على طاولة البحث. سيعيد التأكيد على ثوابت بلاده، ابتداءً من ضرورة وقف دعم المسلّحين وتدفقهم إلى سوريا، مروراً بإدخال مساعدات إنسانية عاجلة، ثم إجراء حوار سياسي ومصالحة وطنية، بمشاركة المعارضة غير المسلّحة أو المستعدة للحوار من دون شروط مسبقة. سيلي ذلك إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تتمخّض عنها حكومة وحدة وطنية تُعنى، أولاً، بموضوعي عودة اللاجئين وإعادة الإعمار.
هذه التفاصيل لا تشمل البحث في موضوع مصير الرئيس السوري بشار الأسد، فالانتخابات ستحدد مصير الرئاسة، ذلك أن على السوريين أن يقرروا مصيرهم، كما أن على العالم أن يدعم خياراتهم. مطالب إيران ستكون ثقيلة الوقع على مسامع السعوديين والأتراك وبعض الدول الداعية إلى رحيل الأسد، إلا أن الجانب الإيراني سيحمل معه آخر أخبار العمليات العسكرية، التي ما زالت في بداياتها، متسلّحاً بمفهوم التقدم الميداني، ومبدياً استعداده لرفع مشاركته العسكرية «الاستشارية»، في حال جرى تجاهل اقتراحاته الموجودة على الطاولة.
طهران اليوم، ترى نفسها جزءاً من الحل وليست طرفاً في النزاع، وتتعامل بناءً على هذا الأساس، لإقناع الطرف الآخر، خصوصاً السعودية وتركيا، بأن لا بديل من الاتفاق الدولي، الذي يرخي بظلاله على الأوضاع الميدانية. ولكن إذا ما واجهت إيران تعنتاً خليجياً وغربياً وتمسكاً بالمطالب ــ إضافة إلى الاستمرار في دعم المسلّحين وتزويدهم بالعتاد ــ فهي اليوم حاضرة أكثر من أي وقت مضى في الميدان السوري، وهي بصدد زيادة عديدها العسكري الاستشاري، ومصمّمة على خوض المعركة كرأس حربة في وجه الإرهابيين. هذا الأمر يفسر الارتفاع في نسبة الشهداء الإيرانيين الذين تشيّعهم الجمهورية الإسلامية في هذه الأيام، والذين سقطوا بغالبيتهم في ريف حلب والشمال الغربي لسوريا.
الدبلوماسية الإيرانية لن تطالب العسكر بخفض مستوى الحضور في سوريا، فالمجهود السياسي يوازيه مجهود حربي كبير تقوده طهران، بمشاركة الجيش السوري وحزب الله براً، وروسيا جواً. والحل السياسي لن يدفع «القاعدة» و«النصرة» و«داعش» إلى إلقاء السلاح، خصوصاً أن هذه المجموعات لا تعترف بأي من المكونات الحاضرة في فيينا، بل تخدم أهدافها التي تغذيها أموال النفط العربي والعنجهية التركية. لا بديل من الحرب في وجه هذه الجماعات، إما أن يقتنع العالم وبعض العرب بوجوب وقف دعم الإرهاب والعمل على استراتيجية مشتركة ــ أقلّه لوقف المد التكفيري وردعه وتحجيمه ــ وإما سيتجه «الحلف الرباعي» إلى تصعيد الحرب الميدانية. عندها لن يكون هناك أي تبرير يمنع تدخلاً إيرانياً كبيراً على الأرض السورية، بعد نفاد الخيارات كافة، وعندها ستغلق كافة أبواب الحوار ولن تُسمع إلا لغة الحديد والنار، باستثناء التواصل المباشر في ما يخص الملف النووي، الذي لم يتأثر بتشابك الأزمات، بعدما تمّ فصله إيرانياً، وتحييده عن دائرة التفاوض الإقليمي. وفي هذا المجال، يبرز الاستغلال الإيراني لمحطة فيينا، حيث سيضع ظريف، ومساعده النووي عباس عراقجي، الجانب الأميركي أمام التزامه بما أورده المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي في ما يتعلق بتنفيذ الاتفاق، وضرورة التقيّد الحرفي بالتوصيات التي أقرّها لوضع الأزمة النووية على سكة التنفيذ، وعدم الضغط على طهران سورياً، من باب الملف النووي ومحاولة مساومتها، في هذا الإطار، لأن من شأن ذلك أن يعيد خلط الحسابات، فيما لا نية لدى إيران لإعادة الأمور إلى مرحلة الأزمة.
الجميع يريد أن يشهد نهاية مقبولة للملف النووي، على المدى القريب، للتفرّغ لملفات أخرى، مع العلم بأن طهران لن تخوض في أي مفاوضات بشأن أي من ملفات المنطقة، وهي تقف أمام خيارين اثنين سورياً، إما الحلّ السياسي ووقف الحرب أو الذهاب إلى معركة أكثر شراسة واتساعاً، ستلعب فيها المكتسبات الميدانية دوراً أساسياً، لفرض شروط الحل على الآخرين.