عبد الحليم فضل الله

أظهرت استقالة جوزيف ستيغليتس من البنك الدولي، قبل عقد من الزمن تقريباً، التجاذب القوي في أروقة المؤسسات الدولية، بين وجهة نظر رسمية ترى أن النمو يؤدي في نهاية المطاف إلى التنمية وإلى توزيع أفضل للثروات، وبين من يرى أن ذلك يتطلب سياسات موجهة ومقصودة، وحضوراً ملموساً للدولة واقتصاداً بمحركين عام وخاص. ولم يكن هذا التباين هو الأول داخل المجتمع الاقتصادي الدولي، لكنه الأكثر أهمية لأنه بيّن بوضوح مستوى الوصاية التي تخضع لها المؤسسات الدولية، وكشف عن أن الإرشادات «العلمية» التي تضطر إلى اتباعها الدول المفتقرة للمعونة، تخضع لإشراف وزارة الخزانة الأميركية التي تمثل الضابط الإيديولوجي والسياسي للتقارير السنوية التي يصدرها البنك، مع العلم بأن استقالة ستيغليتس جاءت على خلفية رفض تبديل فقرات في أحد تلك التقارير التي لاقت اعتراضاً من المعنيّين في واشنطن.
وفي الوقت الذي كانت تتسع فيه دائرة الاعتراض على أداء المؤسسات الدولية، كانت النخبة المهيمنة على القرار في لبنان تستخدم التوصيات الصادرة عنها من أجل تعزيز مكتسباتها ودعم رؤيتها الاقتصادية ـــــ الاجتماعية المحافظة، والتي قامت على استبدال التدخل الحكومي الهادف والمدروس بحضور عشوائي وارتجالي مرتفع الكلفة، واهتمت بالاستثمار في البنى التحتية المادية في حقول الصحة والتعليم ومكافحة الفقر، من دون أدنى التفات إلى انعكاسات ذلك على التفاوت الاجتماعي.
ويبدو أن التعاطي السطحي مع ظواهر الفقر وقصور التنمية هو أمر مقصود، فليس هناك مؤشر دوري لقياس عدم المساواة، والدراسات المعتمدة بشأن لبنان لا تقيم وزناً للتحليل النوعي لنمط النمو، ولا تحتوي بالتالي على مقارنات ذات مغزى بين منحنيات تطور المداخيل العليا والمتوسطة والدنيا عبر الزمن. والنتيجة هي مزيد من التباعد والانفصال غير المرئي بين مسارَي النمو والعدالة، حيث تتزامن الزيادة في متوسط الدخول الفردية ومزاعم انخفاض معدلات الفقر (المدقع) من جهة، مع ارتفاع معامل عدم التكافؤ الاجتماعي مقاساً بمعامل جيني من جهة أخرى (تفيد المؤشرات غير الرسمية إلى ارتفاع هذا المعامل من 35% في أعقاب الحرب الأهلية إلى حوالى 43% في نهاية التسعينيات، مسجلاً بذلك أسوأ توزيع للمداخيل في المنطقة العربية).

التعاطي السّطحي مع ظواهر الفقر وقصور التنمية هو أمر مقصود
لم تشغل مسألة التفاوت وعدالة التوزيع الحيّز المناسب في عائلة المفاهيم والمعايير الاقتصادية والاجتماعية المتبناة في لبنان، بل التزمت السلطات المختصّة جانب التشدد في تأويل المعايير المعولمة وتطبيقها، مستفيدة من ضيق أفق النقاش الداخلي الذي توقف طويلاً أمام الأولويات المالية والنقدية، بينما لم تبدأ مسألة مكافحة الفقر بالظهور إلا قبل سنوات قليلة، وتحديداً بعد إعلان البنك الدولي عام 2005 استراتيجيته الثلاثية التي شجعت الحكومة على بذل جهود إضافية في المجال الاجتماعي، وفي الآونة الأخيرة برز مفهوم الإقصاء الاجتماعي الذي تبلور على نحو واضح في التقرير الوطني الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
بيد أن تقليم أظافر الليبرالية اللبنانية المغرقة، لا يكون باعتماد مفاهيم جديدة ناتجة من الآلة الإيديولوجية إياها التي أخرجت ستيغليتس وجون زيغلر وآخرين إلى فضاء المعارضة العالمي، بل المطلوب هو دفع مسألة التفاوت الاجتماعي وعدم المساواة إلى الصدارة، لتكون الناظم للسياسات الأخرى وإطاراً عاماً يتم تصحيح المقاربة الاقتصادية على أساسه. وهذا ما يتعارض مع الاعتقاد الكلاسيكي بأن التفاوت هو نتيجة حتمية لنموّ اقتصادات الدول الفقيرة، كما تعبّر عن ذلك فرضية كوزيتس، التي ينتقدها مارتن رافاليون كبير مديري الأبحاث في البنك الدولي.
وبحسب تلك الفرضية التي جرى صوغها في خمسينيات القرن الماضي، فإن التفاوت النسبي يزيد مع مراحل النمو الأولى قبل أن يبدأ في الانخفاض في فترات لاحقة، وهو ما يدعو إلى الاهتمام بتحقيق زيادات مطّردة في الدخل الوطني للقضاء على الفقر الشديد، ويذهب بعض الباحثين إلى حدّ تمجيد التفاوت باعتباره أحد الأعراض الجانبية الحتمية لتسريع النمو الاقتصادي الذي من شأنه في نهاية المطاف تحقيق العدالة. التوصية التي يتضمنها هذا التحليل هي أن على الدول النامية اتباع سياسات اقتصادية محايدة اجتماعياً وتنموياً. لكن الدراسات التجريبية الأكثر حداثة والمطبقة على عينات كبيرة من الدول النامية والمتقدمة، توفر أدلة مهمة على أن التفاوت الكبير يمثل عائقاً أمام سياسات مكافحة الفقر، ويؤدي إلى إبطاء خطى النمو وجذب عملية الازدهار نفسها إلى الأسفل. وبالتالي فإن من مصلحة البلدان الطامحة إلى ازدهار مستقر، تطبيق سياسات اقتصادية عامة منحازة وغير محايدة اجتماعياً وتنموياً، أي إنها تركز اهتمامها على النتائج الأخيرة لسياساتها على المناطق المتأخرة والشرائح الدنيا في سلم المداخيل والثروة. وعلى سبيل المثال، تظهر دراسات عديدة أنّ إعطاء الأولوية للتنمية الريفية وزيادة الإنتاجية الزراعية يسرعان عملية تقليل الفقر ومعالجة الاختلالات، وتبشر في الوقت نفسه بتنمية اقتصادية شاملة، وهذا ما يدعو إلى منح السياسات الزراعية أفضلية على غيرها من السياسات في البلدان التي تتمتع بثروات طبيعية ولديها تجمعات ريفية كبيرة بمعزل عن التأثيرات المباشرة لذلك على معدلات النمو في المدى القصير.
التحدي المطروح إذاً هو إيجاد إطار عام يجيد الربط بين السياسات المختلفة، ويمنح مسألة التفاوت الاجتماعي اهتماماً يتخطّى مشكلة الفقر نفسها. وهناك أرضية ملائمة في لبنان لإحداث نقلة نوعية في هذا الاتجاه على مستوى السياسات وأدبيات التنمية، وخصوصاً أن الجميع يعاني الآن من تبعات عدم المساواة بما في ذلك الجمهور السياسي والمناطقي لورثة الليبرالية اللبنانية الجديدة.
* رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق