أخيراً قرر مجلس إدارة صندوق الضمان أن يعيد مستشفى البترون إلى سلطة وزارة الصحة بعد 35 عاماً على استثماره، إذ تبيّن أن ديون المستشفى للضمان بلغت 12.742 مليار ليرة، وأن التجربة متخمة بتدخلات وتوظيف سياسي على حساب الاستثمار والتطوير والخدمات النوعية


محمد وهبة
اتخذ مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قراراً بإعادة مستشفى البترون إلى سلطة وزارة الصحة قبل نهاية السنة الجارية، ما أثار موجة غضب من سياسيي المنطقة الذين اتهموا الصندوق بأنه يقفل المستشفى، فيما الوقائع تؤكد أن الصندوق دفع كلفة هذا الغضب السياسي طوال 35 عاماً، إذ إن مستحقاته منها تبلغ اليوم 12.742 مليار ليرة. وتسييس هذا الملف ينطلق أيضاً من واقع أن وزير الصحة محمد جواد خليفة أبلغ الضمان استعداد الوزارة لاستعادته وتشغيله مستشفى حكومياً، لكن بعد «تخفيف أكلافه».
التوصل إلى هذا القرار من الضمان تطلب سنوات من النقاش في شأن جدوى الاستمرار في إدارة استثمار خاسر، لكن المفارقة أن الخبراء المطلعين على الملف يستغربون كيف يخسر المستشفى! لكن بعض أعضاء الهيئة الإدارية من الذين تابعوا تفاصيل الملف اكتشفوا الأسباب ومكامن الهدر والسرقات بالجملة والتوظيفات السياسية التي أتخمته على حساب الاستثمار والتطوير... ويقول أحدهم: «كلها كانت تجري علناً».

أهداف الاستثمار في 1974

كان الهدف من استثمار صندوق الضمان لمستشفى البترون الحكومي في كانون الثاني 1974، تحقيق أهداف عدّة، فالمستشفى كان متعثراً مالياً، وكان الصندوق يعتقد أن بإمكانه تحويله إلى مركز لدراسات كلفة الاستشفاء ليستخدمها في تحديد الأسعار الاستشفائية وقيمة الإنفاق على التقديمات الصحية، ولا سيما أن المدير العام للصندوق، في حينه، رضا وحيد كان يعتزم البدء بمشروع الحزام الصحي في لبنان الهادف إلى تعميم الاستشفاء عبر إنشاء 52 «بوليكلينيك» في مختلف المناطق ليكون للصندوق 4 آلاف سرير خاص توفر التغطية الصحية بدلاً من المستشفيات الحكومية «الفاشلة».
تبين للصندوق أنه يموّل خسائر تستمر بالتراكم منذ 35 سنة، لكنه طوال هذه الفترة احتفظ بالمستشفى ولم يحدد فعلياً إذا كانت يستفيد من هذه «التجربة» التي لم تُراجَع إلا مرتين، الأولى في عهد المدير العام السابق عبد الحليم حريبي واللجنة الموقتة برئاسة هيام ملاط، والثانية بدأت في عام 2001 حتى عهد مجلس الإدارة الحالي برئاسة طوبيا زخيا والمدير العام محمد كركي.

خارج الاختصاص

سرور: مستشفى البترون تعرّض لخيانة داخلية وخارجية
المراجعة الأولى ركّزت على عدم اختصاص الصندوق في إدارة المستشفيات وفقاًَ للمعايير الحديثة، بحسب ما يروي ملاط، إذ كان هذ الاستثمار «اختباراً مبتوراً، والضمان بإمكاناته وأجهزته العاملة ليس لديه القدرة على إدارة مستشفى، علماً بأن التدخلات السياسية كانت مضبوطة ضمن المعقول».
ويضيف مدير الإحصاء المتقاعد خالد سرور أن المستشفى كان يتعرض «لخيانة داخلية وخارجية على حساب الضمان»، فمجلس إدارة الصندوق اطلع على تفاصيل سرقة المستشفى، ثم أتى الاستغلال السياسي ليفرض «فوترة من دون تسديد، ما رتّب على المستشفى أعباءً كبيرة، وانخفضت نسب الأشغال بسبب الاستشفاء السياسي». وما زاد الطين بلّة في حينه، أن وزارة الصحة بدأت تقدم حسومات على الاستشفاء تصل إلى 40 في المئة من دون أي مبرر، «فلم يحقق أرباحاً على الرغم من أنه لم يتعرض لمنافسة كما هي الحال اليوم، إذ ينافسه في المنطقة نفسها 3 مستشفيات».
وحين اتخذت اللجنة الموقتة في الضمان قراراً برد المستشفى إلى وزارة الصحة، بحسب ما يروي سرور، «اجتهدت الوزارة، فأقرّ مجلس الوزراء في عام 2000 العقد لمدة 15 سنة تنتهي في عام 2015 بعدما كان يجدد كل 5 سنوات. ولم تُقَرَّ أي أموال للاستثمار والتطوير، إذ لم يكن لديه قسم للقلب المفتوح، وكانت آلات التصوير الشعاعي بالإيجار، وليس لديه آلات تصوير بالرنين المغنطيسي (MRI)...».

المال والبيروقراطية

المراجعة الثانية بدأت منذ عام 2001، إذ كان مجلس إدارة الضمان يتوقف مطولاً عند موازنة المستشفى وكلفتها على الصندوق، وفي خلاصة هذه المراجعة أعدّ كركي تقريراً رفعه إلى مجلس الإدارة يفيد بأن المستشفى حقق أرباحاً بين الأعوام 1994 و1996 فقط، لكن الخسائر تراكمت حتى بلغت في نهاية عام 2007 نحو 7.807 مليارات ليرة، أما الديون المستحقة عليه للتجار والأطباء فبلغت 2.877 مليار ولديه ديوناً مستحقة على المؤسسات العامة والخاصة بقيمة 3.571 مليارات ليرة، فضلاً عن ديون مستحقة لصندوق الضمان بقيمة 9.439 مليارات ليرة، وبالتالي تبلغ مجمل ديون المستشفى 12.742 مليار ليرة.
هذا الواقع كان ناجماً عن تدني معدل إشغال الأسرّة إلى ما دون 40 في المئة، فيما النسبة اللازمة للتوازن المالي في المستشفيات عموماً لا يجب أن تقل عن 60 في المئة. كذلك إنّ كلفة الرواتب تمثّل 59 في المئة من الأعباء المالية البالغة 4.951 مليارات ليرة، ويجب تنفيذ قرار قضائي للموظفين بكلفة 1.954 مليار،
ومن أبرز العوائق، كما تظهرها دراسة كركي، أن أي قرار إداري يتوقف لفترة طويلة ليحوز موافقة ست مرجعيات (إدارة المستشفى، لجنة المستشفى، إدارة الضمان، مجلس إدارة الضمان، اللجنة الفنيّة، سلطة الوصاية على الصندوق).
غير أن أحد أعضاء الهيئة الإدارية السابقة في البترون اكتشف «إمبراطورية» تصرف فيها ملايين الليرات عشوائياً، إذ تبين أن المرضى يأكلون قوالب من جبنة القشقوان الممنوع إدخالها إلى المستشفيات، وأن كهرباء مولدات المستشفى مؤجرة للمنازل المحيطة، وأن 45.27 في المئة من مجمل المرضى الذين تلقوا العلاج في مستشفى البترون في عام 2007 هم على حساب وزارة الصحة، وهي نسبة تعدّ مرتفعة جداً، ويليها 23.5 في المئة لمرضى الضمان، و10 في المئة لمرضى الجيش و13.9 في المئة لباقي المؤسسات.
بناءً على التقارير وخطط الإصلاح، يقترح كركي مجموعة من الحلول، ويعتقد أن أجداها هو إعادة المستشفى إلى وزارة الصحة، وهو «أفضل الحلول». وفي حال السير بحسب نص قرار مجلس الإدارة، أي إعادة المستشفى إلى الوزارة، ستُقَوَّم أصول المستشفى الحالية وتُجرى مقاصة مع ديون الضمان وتمويله للخسائر المتراكمة، فهل ينتهي الأمر كما يريد خليفة والنائب أنطوان زهرا اللذان أعلنا أول من أمس تبكير الموعد؟