التحويلات المالية تغطي عورة اقتصادية ومالية كبيرة تخلقها الدولة


محمد وهبة
ليس هناك مقاربة واضحة لدور الشباب في لبنان، فالنقاش في هذا الموضوع يفتح الأبواب على مصاريعها، ولا سيما ما يتعلق منه بالجانب الاقتصادي ـــــ الاجتماعي. فهل يجب تشجيع هجرة الشباب لتكون الحل الأمثل للفائض في متخرّجي الجامعات وللاقتصاد الوطني؟ وهل تصيب خياراتهم في بلد تحكمه المذهبية والمحاصصة؟ هذ النقاش كان جارياً في منتدى المال والأعمال الذي عُقد أمس في فندق موفنبيك بعنوان «دور الشباب في تحديد مستقبل لبنان»، فالبعض تطرّق إلى هويّة النظام الذي يشجع الهجرة أو يمنعها، وآخرون أبدوا اهتماماً أكبر بالهجرة المعاكسة.

اختصاص تصدير العمالة

لا يمكن مقاربة دور الشباب في لبنان من دون مناقشة موضوع الهجرة وآثارها اقتصادياً وديموغرافياًً، فهناك من يدعو إلى استمرار تصدير العمالة، والاعتماد على تحويلات «الاغتراب المؤقت»، كما وصفوه، لتمويل الحساب الخارجي للبنان.
يرى رئيس جمعية مصارف لبنان جوزف طربيه أن «أبواب العمل مفتوحة، وساحات النزال ليست لبنان فقط»، مشيراً إلى أن العالم العربي «متعطّش لذكاء شباب لبنان وقدراتهم ومعارفهم التي تمثّل مزايا تنافسية في المنطقة... إنكم تدخلون حلبة المنافسة في عصر العولمة حيث البقاء للأسرع والأكفأ». ويعتقد أن «الانتشار لم يعد انتشاراً للسواعد والأدمغة اللبنانية فقط بل تعداهما إلى انتشار المؤسسات اللبنانية مثل المصارف وشركات التأمين والمصانع... وكلها عبرت الحدود للتفرغ والتمدّد، فاتحةً الطريق أمام الألوف من الشباب اللبناني للعمل في أسواق المنطقة والعالم، في وقت يضيق فيه الخناق على الحياة الاقتصادية محلياً نتيجة الظروف السياسية القاسية التي مرّ بها لبنان».
ويفسّر المدير العام لبنك الموارد وعضو المجلس السياسي للحزب الديموقراطي اللبناني، مروان خير الدين، موضوع التحويلات انطلاقاً من أن «الاغتراب المؤقت» يمثّل حاجة للاقتصاد الوطني في ظل عدم قدرة الدولة على استيعاب المتخرّجين، فهذه الشريحة تنتج «تحويلات مالية تغطي عورة اقتصادية ومالية كبيرة تخلقها الدولة».

جامعات تشجع الهجرة

بارود: لا يزال الشباب وقوداً للمحرك الذي يأتمر بسائق هرِم
وفي المقابل، فإن أي خطة للإبقاء على الشباب في لبنان يجب أن تأخذ بالاعتبار أن قدرة الدولة على التوظيف ضعيفة لأنها «مبنية على أساس الطائفة والمذهب والواسطة»، بحسب خير الدين، وبالتالي هناك «اختلال في التوازن بين مؤهلات الشباب ومواصفات القطاع العام». أما طربيه، فيلفت إلى أن فرص العمل التي يوفّرها القطاع العام «وفيرة ولا تلاقي اهتماماً كبيراً من متخرّجي الجامعات الكبرى». ويرسم خير الدين ملامح ظاهرة الاغتراب الباحث عن عمل، محمّلاً المسؤولية للجامعات، الخاصة والرسميّة منها، لأنها «تشجع على الهجرة، وتدفع المتخرّجين إلى البحث عن وظيفة في الشركات الكبرى خارج لبنان. وهذا ما يحصل حالياً في الجامعة الأميركية في بيروت».

الهجرة المعاكسة

من زاوية مختلفة، تحاول مؤسِّسة مشروع المبادرات الشرق أوسطية للإنشاء القيادي، شاديا المعوشي، مقاربة موضوع الشباب عبر استقصاء إمكان عودته إلى لبنان، فتشير إلى وجود فارق أنظمة الدول التي يعيش فيها، إذ إن الفساد في لبنان «يمثّل عائقاً أمام عودة المغتربين الذين اعتادوا العيش في ظل نظام مختلف»، مشيرة إلى أهمية الصراع السياسي في التأثير على قرار البقاء في الخارج أو العودة، وبالتالي فإن التعليم والوصول إلى المعلومات ومكافحة الفساد وانتخاب أحزاب وأفرقاء سياسيين تحقّق برامج الشباب هي أمور تحفّز هذه العودة.
ويرى رئيس مجلس الإدارة لمنطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا «هايدريك أند ستراغيل»، أن الفرصة «فريدة لاستقطاب المغتربين ذوي المهارات الذين خسروا وظائفهم في خارج لبنان، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا، وذلك باتجاه لبنان ودول المنطقة»، لكن السؤال بالنسبة إلى هؤلاء هو: «هل لبنان جاذب لهم؟».
لكن بعض المشاركين في المنتدى، يرون أن رياح الدول الإقليمية تعصف بشباب لبنان بحثاً عن مصالحها، وبالتالي يجب التوصل إلى قرار البقاء في جغرافية لبنان أم الانتماء إلى مجموعات اقتصادية أكبر تحمينا مثل الدول العربية التي تمثّل كتلة من 300 مليون مستهلك، فما دور الشباب في الإنتاج والاستهلاك؟
أبعد من كل هذه المعادلة، يطرح وزير الداخلية والبلديات زياد بارود المشكلة بطريقة أعمق: «لا يزال الشباب وقوداً للمحرك الذي يأتمر بسائق هرم، أنانيون نحن في تلك القيادة. ننظر إلى المقود، لا إلى الطريق. ننظر إلى سنة للأمام أو اثنتين. لا نخطط ولا نبرمج، لذا فإن دور الشباب مغيّب. دورهم استباقٌ لأزمة».