دمشق | ليس هناك ما يشغل بال الحكومة السورية اقتصادياً أكثر من معالجة التدهور الحاصل في قيمة ما تتحصل عليه الخزينة العامة للدولة من إيرادات، فخروج النفط والضرر الكبير الذي أصاب البنية الإنتاجية للاقتصاد السوري أسهما بفعالية في تراجع الإيرادات العامة، في وقت تتزايد فيه أوجه الإنفاق الحكومي في ضوء ارتفاع متطلبات الأمن والدفاع، والاضطرار إلى استيراد كثير من السلع الغذائية الرئيسية. فكيف واجهت الحكومة هذا الوضع؟


في تقرير تتبع لواقع تنفيذ البيان الحكومي المالي، حصلت «الأخبار» على نسخة منه، تؤكد وزارة المالية أن الإيرادات انخفضت بشكل تدريجي منذ بداية الأزمة نتيجة ثلاثة أسباب رئيسية تتمثل في انخفاض التحصيل الضريبي، وخروج الكثير من المنشآت والفعاليات الاقتصادية والمعامل عن العمل، وبالتالي عجزها عن دفع الضرائب والمستحقات المترتبة عليها، وثالثاً العقوبات المفروضة على الاقتصاد الوطني.
لكن منذ بداية عام 2014-2015 تلاحظ وزارة المالية وجود تحسن في الإيرادات العامة للدولة نتيجة عاملين، الأول إصدار بعض التشريعات والقوانين كالقانون الخاص بالإقامة ورسومها ورفع رسوم الأمن العام، والقانون الخاص بتسوية وضع الذهب الخام الموجود داخل البلاد بشكل غير نظامي، والمرسوم التشريعي المتعلق بالرسوم القنصلية، والمرسوم التشريعي رقم 66 الذي تم بموجبه رفع الرسوم المستوفاة عند منح إجازة السوق بمختلف أشكالها، والمرسوم التشريعي المتعلق بضريبة الدخل المقطوع، والمرسوم التشريعي المتعلق برسم الانفاق الاستهلاكي الذي وسع المطارح الضريبية، أما العامل الثاني لتحسن الإيرادات فهو في عودة بعض الصناعيين والمستثمرين والمنشآت والمعامل للعمل تقول وزارة المالية.

ضرائب وضرائب

وكما كان متوقعاً، فقد أثمرت خطوة إصدار تشريعات وقوانين ضريبية جديدة في زيادة حصيلة خزينة الدولة من الضرائب والرسوم دون أن يتضح أثرها ومساهمتها في زيادة الضغوط المعيشية على المواطن السوري. وتُبيّن هنا وزارة المالية أن نسبة زيادة الضرائب والرسوم خلال النصف الأول من العام الحالي وصلت لنحو 40%، إذ بلغت قيمتها نحو 106.6 مليار ليرة، منها 51.4 مليار ليرة ضرائب ورسوم مباشرة بزيادة قدرها 50% عن الفترة نفسها من العام الماضي، و55.1 مليار ليرة ضرائب ورسوم غير مباشرة وبنسبة زيادة قدرها 31%.


زيادة في
حركة بيع وشراء العقارات والسيارات

تعكس الضرائب والرسوم التي شهدت تحصيلاتها خلال الأشهر القليلة الماضية زيادة ملحوظة، بعضاً من التحولات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة على حياة السوريين، فرغم زيادة ضريبة الأرباح الحقيقية الخاصة بالقطاع العام بنحو 29% إلا أنها لاتزال متدنية جداً وتوضح حجم الضرر الذي لحق بالمنشآت العامة، كذلك الأمر بالنسبة لضريبة الأرباح الحقيقية للقطاع الخاص، التي لم تتجاوز قيمتها نحو 18.4 مليار ليرة.
وكمؤشر على زيادة حركة البيع والشراء للعقارات والسيارات بسبب الهجرة أو رغبة البعض باستثمار مدخراته التي لا تزال بالليرة السورية، تشير البيانات الإحصائية إلى أن حصيلة رسوم الفراغ والتسجيل العقاري زادت بنسبة تصل إلى 37%، ورسوم السيارات بنسبة 31%، وضريبة ريع العقارات بنسبة 24%.
أما تحسن إيرادات رسم الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 51% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فإن ذلك لا يؤشر إلى زيادة في السلع المستوردة ولا إلى زيادة إيرادات الخزينة من المطاعم والمنشآت السياحية، وإنما الفضل يعود إلى صدور المرسوم التشريعي الرقم 11 في بداية العام الحالي، الذي تضمن تعديلاً في الجداول والبنود وفق التعديلات التي تمت على مشروع التعرفة الجمركية. وبمقارنة تحصيلات الخزينة من هذا الرسم خلال النصف الأول من العام الحالي، التي بلغت نحو 13 مليار ليرة، ومقارنتها بالفترة نفسها من عام 2011 والبالغة آنذاك نحو 29.7 مليار ليرة، سنجد أن هناك انخفاضاً قدره 56%، الأمر الذي يوضح حجم التراجع الهائل في حركة المستوردات، وخروج كثير من المطاعم والمنشآت السياحية من الخدمة.

تحديات واقتراحات

في مرورها على التحديات والصعوبات التي تواجهها، تعترف وزارة المالية باستمرارية مشكلة انعدام الثقة بين الإدارة الضريبية والمكلفين، وتضعها في صدارة قائمة التحديات التسع المعيقة لعملها، التي منها أيضاً انخفاض الوعي الضريبي لدى المكلفين، والأزمة الحالية التي تمر بها البلاد، وخروج العديد من مديريات المالية من الخدمة بسبب الأوضاع الأمنية، ووجود نقص في عدد العاملين من مختلف الاختصاصات، وفي أسطول الآليات.
وتقترح لتجاوز كل ذلك، وتحقيق مستوى أفضل في التحصيل الضريبي، ثمانية مقترحات تبدأ بضرورة الانتقال إلى الضريبة الموحدة على الدخل، فزيادة الشفافية وتعزيز مبدأ الإفصاح في العمل الضريبي، وصولاً إلى بناء بنك معلومات مركزي يحتوي على جميع المعلومات المتعلقة بالمكلفين والربط مع قواعد البيانات لباقي الجهات العامة للاستفادة التي تؤثر على التكليف الضريبي للمكلف.