رام الله | وسط حي تل الرميدة في قلب البلدة القديمة في الخليل، يقيم الناشط البريطاني المتضامن مع الشعب الفلسطيني، الملقب بـ«داوود الخليلي» (59 عاماً). أتى «الخليلي» من بريطانيا، قبل 10 أعوام، وهو يسكن برفقة عدد من زملائه المتضامنين في منزل تزيّنه الأعلام الفلسطينية، يقع على أطراف بؤرة تلّ الرميدة الاستيطانية، غير آبهين بنقاط المراقبة المحيطة بهم، التي أقامها العدو في المكان لحماية المستوطنين.


«الوضع في منطقة تل الرميدة متوتر جداً هذه الأيام، كل يوم نسمع دوي إطلاق نار، لنكتشف أن شاباً فلسطينياً آخر قد قتل بالقرب منا»، بهذه الكلمات يصف «داوود الخليلي» الأوضاع في البلدة القديمة، التي باتت من البؤر المشتعلة منذ انطلاق انتفاضة القدس الأخيرة.
داوود اختار مدينة الخليل مركزاً لنشاطاته التضامنية، نظراً لخصوصية الوضع الذي تعيشه المدينة نتيجة تقسيمها بين السلطة ودولة العدو عام 1997، وتمركز المستوطنين في أربع بؤر استيطانية غرست في قلب البلدة القديمة. وفي سرده للواقع المرير في المدينة، يقول «نرى المستوطنين المتطرفين في الشوارع، يستفزون الأهالي ويعتدون عليهم ويهاجمونهم، إنه كابوس لأصدقائنا وجيراننا هنا، الجميع يخاف السير في الشارع، ولا أحد يعلم من سيكون التالي ليجري قتله بدم بارد». وعن حالات الإعدام التي شهدتها البلدة القديمة، في الآونة الأخيرة، يشير إلى أنه في حالتين، جرى إطلاق النار على فلسطيينيين من دون أن يكون بحوزتهم السكاكين المزعومة.
في مدينة الخليل ثلاث مجموعات رئيسة لمتطوعي حقوق الإنسان الدوليين، يتركز عملها في منطقة تل الرميدة، بعضها يدعم الفلسطينيين ويتضامن معهم، على نحو علني وواضح، والبعض الآخر يحاول أن يكون حيادياً.


لا حصانة للمتضامنين الدوليين أمام اعتداءات العدو فالعديدون منهم تعرضوا لاعتداء

داوود يرى أن جميع المتطوعين يؤدون دوراً مهماً في إبقاء الناس أكثر أماناً. ويتحدث عن طبيعة النشاطات التي يمارسونها قائلاً: «نشارك في موسم قطف الزيتون كل عام، ونحمل مجدداً كاميرات على أيدينا لمنع هجمات المستوطنين ومضايقات جنود الاحتلال». ويضيف «إلى جانب ذلك، فإن السكان المحليين يستدعوننا في حال تعرضهم لهجمات، لنقوم بدورنا بإجراء المقابلات، ونشر قصص إخبارية عنهم على نطاق واسع».
في أحيان كثيرة، تكون شهادات المتضامنين التوثيقية لجرائم العدو مفيدة، وخصوصاً في الحالات التي يقوم فيها جنود العدو بنشر قصص كاذبة، ذلك أنه تُنشر القصص التي يكتبها المتطوعون الدوليون في مختلف وسائل الإعلام الدولية.
ولا ينحصر دور المتضامنين الدوليين داخل حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل يؤدون دوراً مهماً عندما يغادرون مدينة الخليل إلى دولهم الأصلية. الكثيرون منهم يتحدثون في الكنائس والمدارس، وفي المناسبات العامة، لينشروا حقيقة ما يحدث في الخليل، وكيف يواجه السكان العزّل الاحتلال الإسرائيلي. علاوة على ذلك، هم يشجعون أقرباءهم وأصدقاءهم على الذهاب إلى فلسطين.
على هذا الصعيد، يلفت داوود خليلي إلى ازدياد أعداد المجموعات المتضامنة مع فلسطين، في مختلف بلدان العالم، وتناميها على نحو دائم وقوي، مشيراً إلى حركة مقاطعة العدو وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، التي تحقق نجاحاً في الضغط على الحكومات لاتخاد إجراءات قوية لحماية الفلسطينيين ووضع حد للاحتلال.
أما عن التعاون بين المؤسسات الدولية العاملة في الخليل، فيقول المتضامن البريطاني اروين نايت، الذي يعمل ضمن فريق «صناع السلام المسيحي» (يضم أعضاءً مسلمين ومسيحيين، وفي بعض الأحيان يهوداً يساريين من دول متنوعة، من بريطانيا، وأميركا وكندا)، إن فريقه يعمل على نحو متعاون مع العديد من الهيئات والمنظمات في البلدة القديمة، ومنها التابعة للأمم المتحدة، مثل «اليونسيف»، وأيضاً منظمة «حماية الطفل»، ومع «حركة التضامن الدولية».
ويضيف: «عملنا لا يقتصر على توثيق الأحداث فقط، بل نسعى إلى مراسلة جهات خارجية للوقوف على تلك الانتهاكات، ومتابعة حالات اعتقال الأطفال على الحواجز العسكرية».
لا حصانة للمتضامنين أمام اعتداءات العدو، العديدون منهم تعرضوا لاعتداء على يد جيش العدو ومستوطنيه، وجرت معالجتهم مجانًا في المستشفيات الفلسطينية، وبعضهم مُنع من دخول الخليل ورُحّل نهائياً.
منسّق «تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان» في الخليل، بديع دويك، قسّم الحضور الدولي في الخليل إلى قسمين: الأول حضور يسعى إلى تقديم شيء ملموس للشعب الفلسطيني، مثل حركة التضامن الدولي، وهو ما جعلهم معرضين أكثر من غيرهم للطرد والمضايقات من العدو.
والثاني: مجموعات تعيش برفاهية وجل عملها الرصد، وهي تتقاضى رواتب شهرية وحوافز، وتكتفي فقط برفع تقاريرها إلى جهات دولية مثل الأمم المتحدة، من دون نشر جرائم جيش العدو كما حصل، أخيراً، مع الشهيدة هديل الهشلمون، التي صوّرها متضامن برازيلي يعمل في برنامج EAPPI. ويشير دويك، كذلك، إلى أن هناك من يأتي إلى فلسطين لغرض العمل، لكون حضوره هناك يمثّل دعماً له في سيرته الذاتية، إذا ما تقدم للعمل لمؤسسات دولية كبيرة تقدم رواتب أكبر، وهو ما ينعكس عليهم بعد مغادرة فلسطين، حيث ينسلخون عن الواقع الذي عايشوه في فلسطين، وكأن الزيارة كانت عبارة عن نزهة أو سياحة على حد وصفه.
ويؤكد أن «المطلوب هو أن تكون لهذه المنظمات قيادة فلسطينية تحدّد أولويات عملها وإستراتيجيتها، فالمسألة غير مرتبطة بالأعداد الكبيرة لهم بمقدار ما هي مرتبطة بالدور الفاعل الذي يمكن لهم أن يؤدوه»، وخصوصاً أن شهاداتهم التي ينقلونها إلى دولهم مهمة، فهي تؤدي دوراً في مقاطعة دولة العدو وسحب الاستثمارات منها.