تشير تقديرات المراقبين إلى أنّ أكثر من ثمانين في المئة من الأمراء يريدون عزل الملك سلمان. يحاول البعض في خارج المملكة، وآخرون في الداخل، إعلان «انقلاب جديد» يكاد يؤدي (وفقاً لتحذيرات المراقبين) إلى انهيار حكم سلمان في أيّ لحظة.


تصطدم الأقلية المؤيدة لحكم سلمان بالغالبية المعارضة التي تنادي بتعيين أحمد بن عبدالعزيز ملكاً، بعد إقصائه مرتين، بداية في عهد الملك عبدالله، ومن ثم خلال العهد الحالي. عدد قليل من الأمراء أعلنوا، في وسائل الإعلام (الغربية خصوصاً) وعبر مواقع التواصل، عدم شرعية هذه التركيبة المفصّلة على قياس «السديريين السبعة»، وزعموا انشقاقهم وعدم مبايعتهم، نيابةً عن الغالبية الصامتة.
سعود بن سيف النصر كان أوّل من غرّد في حزيران الماضي، وقال إن من سمّاهم «عقلاء الأسرة» ما زالوا يعتبرون أحمد ولي العهد الشرعي. وأضاف أن الأخير «لم يتنازل أو يبايع أو يفكر بالتنازل». وجاء كلام سعود مطابقاً لما ذكره المغرّد مجتهد في وقت سابق، بأن أحمد لم يتنازل عن ولاية العهد وأن شخصيات الأسرة المهمة تؤيده، ويتمتع بعلاقات جيدة مع قبائل المملكة، وسبق له تولّي منصب وزير الداخلية ما يقارب ستة أشهر قبل أن يعفيه الملك عبدالله لأسباب غامضة في عام 2012، ليعيّن مكانه محمد بن نايف، الذي يراه محللون مقرّبون من الإدارة الأميركية كأحد أبرز الموالين لواشنطن في العائلة المالكة. ونايف، بحسب معهد «بروكينغز»، أمير «مكافحة الإرهاب» كما يصفه كاتب المقال بروس ريديل.


يحظى أحمد بن عبدالعزيز بقبول المؤسسة الدينية والأمراء المهمّشين

استياء الأمراء ظهر في بداية الأمر ضمن «هيئة البيعة»، حيث وافق 28 عضواً فقط (بينهم ستة من أبناء الملك المؤسس) من أصل 34 على تولّي محمد بن سلمان ومحمد بن نايف رئاسة مجلسي «الشؤون السياسية والأمنية» و«الشؤون الاقتصادية والتنمية». وبدأ هذا الاستياء بالظهور إلى العلن، مع ما يشهده عهد الملك سلمان من أزمات سياسية واقتصادية غير مسبوقة، حاولت المملكة الخروج منها، في وقت لا يوفر فيه محمد بن سلمان مناسبة لإظهار تصرفاته الاستفزازية واحتكاره لقرارات أبيه المصاب بمرض الزهايمر وفقاً لتقارير طبية. وهذا ما حذّرت منه أربع «رسائل تحذير» بعث بها أحد الأمراء إلى أبناء آل سعود عبر وسائل الإعلام، داعياً كافة أبناء العائلة إلى عزل سلمان وتعيين شقيقه أحمد ملكاً.
يحظى أحمد بن عبدالعزيز بقبول المؤسسة الدينية وبصفة إنقاذية لقطاع واسع من الأمراء المهمشين. لكن الباحث والناشط السياسي المعارض فؤاد إبراهيم، يرى في حديث إلى «الأخبار» أنه رغم ذلك، قد ﻻ يكون «الأمير المرشح» حصاناً رابحاً لهؤلاء الأمراء، نظراً إلى شخصيته المترددة وغير المبادرة للسلطة بمستوى يشبع تطلعاتهم.
ينتظر أحمد رافعة من داخل الأسرة وتأييداً من العلماء ومن وَسط شعبي وازن يمكّنه من الوصول إلى العرش. غير أن إبراهيم يشكك في إتاحة الملك سلمان هذه الفرصة له ما لم ينجح في اقتناص «لحظة تاريخية» ما لإنقاذ العائلة والدولة والعرش.
«أصحاب السموّ» المعارضون يروّجون في معركة مواجهتهم لحكم سلمان (الذي يتّسم بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان) بإعلان تبنّي أحمد إصلاحات سياسية وثقافية. الأمير نفسه الذي بعث بـ«رسائل التحذير»، روّج لأحمد في مقابلة لاحقة مع صحيفة «الإندبندنت» (الاثنين الماضي)، بأنه يريد إدخال إصلاحات مثل حرية التعبير، وتطهير النظام القضائي وإطلاق سراح السجناء السياسيين الذين ليس لديهم أي علاقة بالإرهاب. وقال الأمير، في سياق إتمام «الصفات الملكية»، إن أحمد «متدين، لكنه منفتح»، كون عناصر القوة في معركة كهذه تكمن في مدى إمكانية المرشح التوفيق بين كسب رضى الغرب ورضى الوهابية في آن واحد.
احتمال وصول أحمد، رغم «دعاية الإصلاح»، لا يشكل محطة أمل للناشطين السياسيين في المملكة. الباحث والناشط السياسي حمزة الحسن، يرى في حديث إلى «الأخبار» أن الخلاف بين أبناء العائلة الحاكمة بعيد عن «الإصلاحات» المزعومة التي لا تعدّ أولوية لأي من الأمراء، بل هو صراعٌ حول حصص أبناء عبدالعزيز المؤسس لا أكثر. ويشير إلى أن الأمراء المعارضين لا يختلفون عن سلمان بشأن هذه الإصلاحات. «ثورة العائلة المالكة على نفسها لم تحن بعد»، يقول الحسن. ويقول إنّ الكلام عن عزل الملك في القريب غير دقيق وغير موثق، لأنّ من بين الأمراء من استطاع سلمان إسكاته بالمال، ما يعني أنّ حجم المعارضة داخل الأسرة غير معروف. والأمراء يخافون على أرواحهم كما يخشى الناس القمع.
في المقابل، لا ترى المعارِضة السياسية، مضاوي الرشيد، أي أهمية لهذه المعارضة المحصورة بأبناء العائلة الحاكمة، إذ إنّ الوضع في المملكة لن يتغير إن جاء أحمد أو غيره. وتشير الرشيد، في تغريدات لها عبر «تويتر»، إلى أنّ الصراع داخل الأسرة الحاكمة لا يهمّ الشعب، لأنه شعب معزول.
قد يستمع المواطن السعودي إلى ضجيج أبناء الأسرة الحاكمة في أروقة قصر آل سعود، من دون أن يكون رقماً في معادلة صراع الأبناء على الحصص والنفوذ. حديث الأمراء عن الإصلاحات يندرج بالنسبة إلى الناشطين في إطار «فاقد الشيء لا يعطيه». الملك عبدالله صاحب لقب «مهندس الإصلاح» لم يحصل منه الشعب على «الترقيع» حتّى. كيف إذاً بسماع الشعب لجدل لا يعدو كونه التفافاً على هندسة احتكار السلطة بمرتكزات استبدادية جديدة... في خضمّ صراع على حكم «بئر النفط» الذي يستقطب أنظار العالم بما تبقى له، ولهم، من عمر.