احتفلت إسرائيل بسقوط مشروع الدولة الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي مع نيله تأييد ثمانية أصوات مقابل معارضة الولايات المتحدة وأستراليا، فيما امتنعت بريطانيا وليتوانيا ورواندا ونيجيريا إلى جانب كوريا الجنوبية عن التصويت. وكان من المؤيدين للمشروع روسيا والصين ولوكسمبورغ وتشيلي وتشاد والأردن وأخيراً فرنسا التي أعربت تل أبيب عن «خيبة أمل» من موقفها.


الآراء في الساحة الإسرائيلية اختلفت على مستوى مؤسسات القرار، وفي وسائل الإعلام، وخاصة في تفسير أسباب الإخفاق الفلسطيني، والمرجعية التي يعود إليها «الفضل» في ذلك، إذ ساد وزارة الخارجية الإسرائيلية رأي مفاده أن الفلسطينيين أرادوا الإخفاق كي لا يجبروا الولايات المتحدة على استخدام «الفيتو»، وهو ما كانت تحرص على تجنّبه في هذه المرحلة، فضلاّ عن حرصها على تجنب إمكانية خسارة المساعدات الأميركية.
أيضا، أوضح دبلوماسيون إسرائيليون أن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، مارس ضغوطاً مكثفة على السلطة كي تطرح المشروع قبل التغيير داخل مجلس الأمن. وقال مسؤول رفيع في الخارجية الإسرائيلية إن «واشنطن كانت على استعداد لاستخدام حق النقض وقد عملت جنباً إلى جنب مع إسرائيل لمنع تمرير مشروع القرار، ولم تكتف بالقول إنها ستعارض المشروع». ووفق مصادر أخرى، فإن مساعي كيري هدفت إلى إيصال رسالة إلى فرنسا مفادها أنها بالغت في موقفها، إذ تنظر الولايات المتحدة إلى رغبة الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، في عقد مؤتمر دولي بخصوص الشرق الأوسط، على أنها محاولة من فرنسا لاحتلال مكان البيت الأبيض.

تأخّر محتمل في رواتب السلطة... و«حماس» تتهم الأمم المتحدة بإهمال غزة

في المقابل، تعامل ديوان رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، مع ما جرى على أنه «إنجاز كبير» للسياسة التي ينتهجها نتنياهو الذي رأى أن إخفاق السلطة كان نتيجة الجهود التي بذلها لإبعاد نيجيريا عن تأييد الموقف الفلسطيني. وذكرت تقارير إعلامية عبرية أن الجهود المشتركة لكيري ونتنياهو دفعت نيجيريا إلى تغيير موقفها في اللحظة الأخيرة.
أياً كان الدور الذي لعبه الطرفان الأميركي والإسرائيلي، فقد تلقى الرهان والخيار الدبلوماسي الفلسطيني ضربة قاسية، بعدما قال مجلس الأمن: «لا لصيغة التسوية الفلسطينية»، حتى وفق الحد الأدنى الذي قدمته رام الله، ومع ذلك، فإن نتيجة التصويت عكست مجموعة من الرسائل. فقد بدت السلطة كأنها أدت قسطها للعلا، وبلغت في خيارها السياسي حيث لا يجرؤ كثيرون، وخاصة أنها انتقلت الآن إلى مرحلة العمل على الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعدما وقّع رئيسها، محمود عباس، على عشرين ميثاقاً ومعاهدة دولية تم تسليمها لممثل الأمم المتحدة في رام الله، جيمس راولي.
أما الاسئلة المفتوحة عن عدم انتظار السلطة عدة أيام إلى حين تغيير تركيبة مجلس الأمن، فستبقى مجالاً مفتوحاً للتحليلات والتحليلات المضادة. لكن المؤكد أن المسار الذي سلكته التطورات يتلاءم مع التقديرات التي كانت ترى أن من الصعب الاقتناع بأن رام الله قررت الاندفاع في خيارات جريئة، بما فيها حشر الولايات المتحدة لاستخدام «الفيتو» مقابل تأييد تسعة أعضاء.
الإخفاق الفلسطيني الأخير في مجلس الأمن يأتي تتويجاً لفشل الرهان على المؤسسات الدولية، بعدما ثبت أصلاً، على مدار أكثر من عشرين عاماً، أنه لا رهان على المفاوضات كخيار إستراتيجي لانتزاع حد أدنى من الحقوق الفلسطينية. كذلك تؤكد هذه الحقائق أن المقاومة بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني ليست خياراً من ضمن خيارات متعددة، بل هي قدر هذا الشعب. فبعيداً عن الموقف من أصل التسوية مع العدو الإسرائيلي، فإن منطق التسوية نفسه يتطلب مثل هذا الخيار (المقاومة) على الأقل من أجل إحداث قدر من التوازن في أوراق الضغط، وتثمير ذلك على طاولة المفاوضات.
أيضاً، تأتي الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لإحباط المشروع الفلسطيني تعبيراً عن سياستها الثابتة في احتضان الإسرائيلي ودعمه على المستويات كافة، وهي أسقطت بذلك الرهانات على وهم مفاده أن التوتر الذي تشهده العلاقات بين إدارة باراك أوباما وبنيامين نتنياهو يمكن أن يشكل مناسبة لتمرير المشروع. وأكدت مرة أخرى أنه رغم الخلافات الفعلية بين الطرفين، فإن ذلك يبقى مسقوفاً بمواصلة الدعم الأميركي؛ فلا الدعم المتواصل يعني انتفاء خلافات، ولا وجود الخلافات يعني تخلّي واشنطن عن دعم تل أبيب.
بالعودة إلى المستوى الداخلي، أياً كانت العوامل التي أدت إلى إخفاق مشروع السلطة، ينطوي هذا «الإنجاز» الإسرائيلي على رسالة فحواها أنه يمكن لتل أبيب الذهاب بعيداً في تطرفها السياسي على مستوى التسوية، وفي الوقت نفسه الاطمئنان إلى أنها لن تدفع أثماناً دولية، بفعل الاحتضان الأميركي وعلاقاتها الدبلوماسية. وهو أمر يعزز الطروحات اليمينية لجهة أن الرهان العربي والفلسطيني على إحداث انعطافة في الموقف الإسرائيلي تنحصر في «موقف دولي جاد» يشعر معه الجمهور الإسرائيلي أن لهذا الخيار كلفة باهظة.
وما يضاعف أهمية هذا الحدث أنه يأتي في ذروة الحملة الانتخابية، الأمر الذي يعني أنه قد يكون له، من ضمن عوامل أخرى، نتائج ومفاعيل مباشرة على وجهة الناخب الإسرائيلي.
إلى ذلك، وجّه رؤساء الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة الشكر إلى الإدارة الأميركية على الجهود التي بذلتها لإحباط مشروع القرار الفلسطيني. لكن صحيفة «يديعوت أحرونوت» رأت أن نتائج التصويت في مجلس الأمن لم تكن فقط حصيلة جهود واشنطن فحسب، بل هي أيضاً «إنجاز دبلوماسي إسرائيلي بفعل المساعي التي بذلتها وزارة الخارجية في جعل أفريقيا هدفاً لجهودها، ونتج منه امتناع رواندا ونيجيريا عن التصويت». ولفتت الصحيفة إلى أن إسرائيل كانت على اقتناع بوجود أغلبية لدى الفلسطينيين، وأن واشنطن ستضطر في النهاية إلى استخدام حق النقض، لكنّ «المكالمتين اللتين أجراهما نتنياهو مع الرئيس النيجيري جوناثان غودلاك، ومع رئيس رواندا بول كاغامي، هما اللتان حسمتا الموقف».
كذلك رأى معلقون إسرائيليون أن الإخفاق الفلسطيني يؤكد أهمية العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وجدواها بالنسبة إلى الأمن القومي الإسرائيلي. وخلص هؤلاء إلى أن الدرس هو وجوب الحفاظ على أفضل علاقة مع الإدارة الأميركية وتجنب النزاعات معها.
فلسطينياً، تمخضت اجتماعات قيادة السلطة الاتجاه نحو الانضمام إلى معاهدات ومواثيق دولية. وقال مسؤول ملف المفاوضات في منظمة التحرير، صائب عريقات، إن «فلسطين ستكون عضواً كامل العضوية في المحكمة الجنائية الدولية مطلع آذار المقبل».
وأكد عريقات أن السلطة سلمت ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، أول من أمس، طلبات سيجري تنفيذها خلال 30 إلى 90 يوماً، مشيراً إلى أن «الاستيطان والعدوان على غزة سيكونان أبرز ملفين نعمل عليهما في الجنائية الدولية». إعلانٌ قابله المتحدث باسم نتنياهو بالقول إن طلب السلطة الانضمام إلى الجنايات الدولية «يشكّل خرقاً سافراً للاتفاقات»، معقّباً: «سيضر بها لأنها تحالفت مع تنظيم إرهابي ارتكب الآلاف من جرائم الحرب»، في إشارة إلى حركة «حماس».
ولم يقف الرد الفلسطيني على حدود تنفيذ التهديد بالانضمام إلى المحكمة الجنائية، إذ طلب محمود عباس، أمس، من وزارة الخارجية في السلطة استيضاحات من الدول التي عارضت، أو امتنعت، عن التصويت على مشروع قرار إنهاء الاحتلال. وكلف عباس، في سبيل ذلك، عريقات بلقاء سفراء الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأستراليا.
في السياق نفسه، قال المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة، إن القيادة تدرس العودة إلى مجلس الأمن الدولي مرة أخرى للحصول على قرار دولي بإنهاء الاحتلال، مضيفاً أن التواصل مع الدول التي عارضت، أو امتنعت، عن التصويت يأتي في هذا الإطار.
وفي خطوة تعبر عن إمكانية تفاقم الأزمة بين السلطة والاحتلال، قال رئيس الوزراء في حكومة التوافق، رامي الحمدالله، أمس، إن «إسرائيل لم تسلم وزارة المالية إيرادات المقاصة التي يجب أن تتم نهاية الشهر الماضي، ما يعني تأخراً في صرف الرواتب». لكن الحمدالله أضاف: «الإسرائيليون يؤخرون مستحقات الضرائب الفلسطينية عن الشهر الماضي، ولم يبلغونا قرار حجز أموال المقاصة من عدمه حتى الآن... هذه الأموال حق للشعب الفلسطيني، ونسعى دائماً إلى توفير الرواتب في موعدها، ونأمل ألا تواجهنا عقبات في هذا الخصوص».
على جبهة غزة، اتهمت «حماس» الأمم المتحدة بـ«إهمال» إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية الأخيرة في غزة. وقال عضو المكتب السياسي للحركة خليل الحية، أمس، إن الأمم المتحدة «لا تكترث لآلام ومعاناة قرابة مليوني مواطن... خمسة أشهر مرت على انتهاء الحرب والإعمار لم يبدأ، لأنّ آلية الأمم المتحدة تحول دون أي إعمار حقيقي لغزة، بل تمثل حصاراً إضافياً». كذلك اتهم حكومة الوفاق بـ«اللعب بالنار» من خلال «المماطلة» في حل مشكلات غزة. وتابع: «غادر وزراء الحكومة من دون أي حل لأي مشكلة، وكأن غزة استراحة أو فندق، أو مجرد نزهة»، في إشارة إلى وفد «الوفاق» الذي غادر القطاع أمس عقب زيارة استمرت أربعة أيام.




تل أبيب: سندافع عن جنودنا سياسياً وقضائياً

محمد بدير

لم تكد إسرائيل تحتفل بـ«الانتصار السياسي والدبلوماسي» في مجلس الأمن، حتى بدأت معركة جديدة تتصل بتقديم السلطة الفلسطينية صكوك معاهدات دولية، بما فيها الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي أثار غضباً في تل أبيب وواشنطن على حدّ سواء. وهدّد بنيامين نتنياهو بالرد بخطوات مضادة، قائلاً إن على السلطة أن تخشى المحكمة بسبب حكومة الوحدة مع «حماس» التي وصفها بأنها «منظمة إرهابية تقترف جرائم حرب مثلها مثل تنظيم داعش».
وعقد رئيس الوزراء الإسرائيلي مشاورات خاصة بعد خطوة السلطة للتباحث في طبيعة الرد الإسرائيلي. وكان لافتاً أنه دعا إلى الجلسة وزير الأمن موشيه يعلون، والمدير العام لوزارة الخارجية نسيم بن شطريت، ومسؤولين رفيعي المستوى من المؤسستين الأمنية والقضائية. لكنه لم يدع وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان. وبررت مصادر في ديوان نتنياهو هذه الخطوة بالقول إنه ينسّق العمل في هذا الخصوص، وسيطرح قراراته على المجلس الوزاري المصغر للمصادقة عليها، مع أن مصادر في الخارجية الإسرائيلية ردت بالقول: لا يبدو أن نتنياهو يريد إيجاد حل حقيقي للقضية، لذلك لم يدعُ إلى الجلسة إلا الأشخاص الذين يشاطرونه الموقف نفسه».
وتقرر في ختام الجلسة إجراء مشاورات أخرى، أعقبها نتنياهو بالإعلان أن إسرائيل تتوقع من المحكمة الجنائية الدولية رفض طلب الفلسطينيين الانضمام إليها، مبرراً ذلك بأن الطلب الفلسطيني يغلب عليه «طابع النفاق»، وأن السلطة ليست دولة على الإطلاق، بل «كيان سياسي يتحالف مع تنظيم إرهابي يرتكب جرائم حرب». كذلك تعهد بأن «إسرائيل ستمنح جنودها الحماية القانونية من أي ملاحقات محتملة قد يتعرضون لها». الموقف نفسه تكرر على لسان زعيم المعارضة يتسحاق هرتسوغ، وأيضاً تسيبي ليفني، اللذين اعتبرا أن الخطوة الفلسطينية لا تدفع هدفهما إلى الأمام، وأكدا أن إسرائيل ستدافع عن جنودها وضباطها «سياسياً وقضائياً».