البواليص يجب أن يبيعها اختصاصيون لا بواسطة المصرف


محمد وهبة
تقوم المصارف في لبنان بدور لا يمتّ إليها بصلة، فهي تبيع بواليص التأمين لزبائنها وتُجبرهم على شراء منتج تأميني تصدره شركة تابعة لها أو متعاقدة معها أو عبر شركة الوساطة الخاصة بها، بحجّة ضمان العملية المصرفيّة التي تجري بين الطرفين. وفي المقابل، يرفض المصرف أي بوليصة صادرة عن طرف ثالث، ويربط إنجاز عملية التمويل التي يطلبها العميل بعملية شراء المنتج التأميني المحدد بمعزل عن مصلحة العميل نفسه.

مصدر ربح كبير

فالقروض الشخصية وقروض السيارات والمساكن وقروض التجزئة والعمليات التجارية عبر المصرف تستوجب تأميناً لمصلحة الممول أو المصرف لضمان الحصول على حقه في حالة الوفاة أو العجز أو السرقة أو الحريق... وبات هذا الأمر من الشروط الأساسية للحصول على القرض. وبدأت المصارف تقوم بتسويق وبيع هذه البواليص التي «أصبحت مصدر ربح كبير لها»، بحسب ما يقول عدد من مديري شركات التأمين.
في البدء، كان المصرف يقوم بهذا الأمر لمصلحة شركة متعاقدة معه، ثم ذهبت بعض المصارف الكبرى بعيداً في هذا الأمر، فأسّست شركات تأمين تابعة لها وتملك فيها حصّة الغالبية، أو خلقت شركة وساطة تأمين تقوم بالأعمال التأمينية لزبائن المصرف، فقد اكتشفت 10 مصارف أنه يمكن أن تسوّق وتبيع زبائنها وزبائن المصارف الصغرى بواليص تأمين خاصة ببعض الأعمال المصرفيّة التي يحتاجها العميل لضمان قرض أو عمليات تجارية... وتبيّن لهذه المصارف أن تجاهل فرصة من هذا النوع هو بمثابة هدر لاستثمار ذي مردود مرتفع، فأسست أو اشترت مباشرةً شركة تأمين للاستفادة من معايير الإقراض وشروط الأمان المتعلقة بها والتي تستوجب الحصول على بوليصة من أكثر من نوع (تأمين على الحياة، تأمين ضد حوادث السيارات وكل الأخطار، تأمين ضد السرقة، ضد الحريق...)، وبالتالي لم يعد مفروضاً على المصرف التعاون مع شركة ما.

مخالفات

في كلا الحالتين، أي في حالة وسيط تأمين أو في حالة امتلاك شركة تأمين، تقوم المصارف بتسويق بواليص تأمين وبيعها من دون أن تكون مخوّلة بهذا الأمر تقنياً وقانونياً لتربح من المبيع أو من عمولات الوساطة. وبحسب وسطاء تأمين مستقلّين، هناك أكثر من مقتضى قانوني صادر عن وزارة الاقتصاد ومصرف لبنان يمنع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أن تقوم المصارف بدور وسيط التأمين أو أن تجبر الزبائن على شراء البوليصة منها حصراً. إذ إن البيع يجب أن يكون بإشراف اختصاصيين ضالعين بتفاصيل المنتج يمكنهم شرحها للعميل ونصحه بالبرنامج الأفضل، لكن ما يحصل حالياً هو أن موظفي المصرف يبيعون بواليص معدّة سلفاً لتحافظ على مستوى معين من الربحية ولتضمن القرض بصرف النظر عن مصلحة
العميل.
لكن المصارف غير القادرة على تأسيس شركات تأمين، يقول أحد مديري المصارف الكبرى في لبنان، بدأت تلتف على القانون وتؤسس شركات وساطة «صورية» وتؤجرها غرفة في المصرف، حيث تفيد بأن البواليص تباع هناك بطريقة قانونية!
ولذلك، لا يقبل المصرف أي بوليصة تأمين غير صادرة عن الشركة التي يتعامل معها، ففي بعض الأوقات يعلن ذلك صراحة للعميل، وبعض المصارف تتحفظ عن قبول البوليصة الخارجية لأنها قد لا تتناسب مع المعايير «المعروفة»، أو لأن التدقيق فيها وبالشركة الصادرة عنها سيأخذ وقتاً طويلاً وبشروطها وسقف التأمين المطلوب لنوع التمويل أو القرض... ولائحة طويلة من الحجج التي تدفع العميل «قسراً» إلى شراء بوليصة من المصرف مباشرة.

روايات من مصارف

بصرف النظر عن الكلفة التي تترتب على العميل ونوعيّة الخدمات المقدّمة والسرعة في الاستجابة، يروي وسيط تأمين محترف حكايات عن جشع وعدم احتراف ومهنية المصرف في بيع المنتج التأميني. ويشير إلى بيع بوليصة تأمين على الحياة من شركة تابعة لأحد المصارف، وقد أُقنع العميل بأنه سيحصل على تأمين زائد برنامج استثماري تقاعدي بمبلغ 200 دولار أميركي بتعويض للمستفيد سقفه 10 آلاف دولار، فيما كان يمكن أن يحصل بالمبلغ نفسه على سقف يصل إلى 150 ألف دولار وبرنامج تقاعدي. وهذا الأمر ينسحب على كل المصارف بحسب الوسيط.
ويذكر بعض وسطاء التأمين أن بنكاً آخر باع بوليصة تأمين على الحياة لشخص لديه فشل كلوي من دون أن يذكر هذا الأمر في استمارة التصريح، ويبيع بنك ثالث بوليصة شاملة بقسط شهري صغير من دون أن يعرف المؤمن إلى أي نوع من البرامج هو منتسب وما هو المكسب من التأمين بهذا البرنامج والاختلافات عن البرامج الأخرى، لأنه لا يذكر أي تفصيل للعميل بل يقول له ادفع شهرياً «50 دولاراً أو أقل لتحصل على التأمين المطلوب لهذه العملية ولعمليات أخرى».
ويلفت الوسيط إلى أن كثيراً من المصارف لا تغطي السطو المسلح عندما تبيع تأميناً ضد سرقة السيارة، ولذلك يضطر بعض أصحاب السيارات إلى دفع مبالغ مالية للسارقين لاستعادة سيارتهم المؤمَّنة حديثاًَ! ويعتقد أن غالبية موظفي المصرف لا يعرفون ماذا يبيعون، أو إذا كانت هناك خيارات إضافية يمكن بيعها للزبون. وهذا الأمر ينسحب أيضاً على تغطية أخطار الحرب بالنسبة إلى التأمين على الحياة، فالكثير من العائلات فوجئت بأن برنامجها التأميني المبيع من المصارف لا يغطّي الذين استشهدوا في الحرب أو الأضرار الناتجة من الانفجارات والحروب وفي أوقات الاعتصامات والتظاهرات... وحالياً تبيع المصارف برامج تأمينية على الصحة لتغطية «غير محدودة»، بينما ليس هناك أي شركة تأمين تغطي المريض من دون أي سقف. والمعروف أن هذه البرامج بالذات تخضع لكثير من التفاصيل، وبالتالي على وسيط التأمين أو البائع أن يُعلِم المشتري بكيفية تعبئة «الاستمارة الطبية» لأن أي خرق لها يمكن أن يعرض البوليصة للإلغاء.



1180 وسيطاً

هو عدد وسطاء التأمين (الضمان) المرخصين من قبل وزارة الاقتصاد والتجارة، ويعملون في 245 شركة وساطة، ومنهم 112 مستقلاً، ويقدّر أن يصل عدد الوسطاء إلى 4 آلاف في حال توقّفِ احتكار المصارف لبيع منتجات التأمين.


10 مصارف كبرى