بعدما كان يفترض أن تتحول المسيرة في باريس، والمواقف التي اطلقها بنيامين نتنياهو الى الحدث الابرز في الساحة الاسرائيلية، إلا أن تسلله الى الصف الاول في المسيرة، بعدما أُدرج وفق قواعد البروتوكول الفرنسي في الصف الثاني، حولها الى قضية شغلت الرأي العام الاسرائيلي، وتنافست مع الحدث السياسي والامني الفرنسي على احتلال الصدارة.


وتحولت هذه العملية التي قام بها نتنياهو الى نكتة ساخرة في شبكة التواصل الاجتماعي، ووصف رئيس الحكومة بأنه متغطرس. كما حوله البعض الى شخصية مثيرة للسخرية من افلام الكرتون المصورة. ورأت تقارير اعلامية اسرائيلية أن ما جرى أحرج الكثير من الاسرائيليين.
وما فاقم من الابعاد التي انطوى عليها هذا الحدث انه بالاساس لم تتم دعوة نتنياهو للمشاركة في المسيرة الكبيرة، وانما على العكس طُلب منه عدم الحضور، وهو ما أكدته مصادر من ديوان رئيس الحكومة نفسه، بأن فرنسا تحفظت على مشاركته، ولكنه اصر على ذلك. وهو أمر برز عندما صدر خبر رسمي يفيد بأن نتنياهو لن يشارك في المسيرة، ولكن بعد أن جرى الاعلان عن حضور منافسيه من اليمين الاسرائيلي، مثل نفتالي بينيت ووزير الخارجية افيغدور ليبرمان، عدل نتنياهو عن رأيه وقرر المشاركة بشكل مفاجئ في باريس.
لم تنته القضية عند هذا الحد، وانما طلب نتنياهو ايضا ان ينضم الى الحافلة التي تنقل زعماء العالم، رغم أنه لم يُحجز له مقعد، وذروة الاحراج تمثلت باللعبة التي لعبها من اجل التسلل الى الصف الاول. تم ذلك عبر مد يده للسلام بطريقة تبدو كما لو انها عفوية، مع رئيس جمهورية مالي، المتواجد في الصف الاول. وتبادل معه بعض الجمل القليلة، ليقف الى جانبه في الصف الاول. وهكذا نجح نتنياهو في عملية التسلل كي يتصدر المسيرة مع الخماسية الاولى التي كانت تقود المسيرة، الى جانب الرئيس الفرنسي والمستشارة الالمانية.
لم تنته المسرحية هنا، بل واصل نتنياهو حركاته الكوميدية عندما اخذ يبتسم للكاميرات، ويلوح بيديه للجماهير التي كانت على جانبي الطريق، كما لو أن هذه الجموع مجتمعة من اجله، وأن المسيرة تأتي بمناسبة تحقيق انتصارات وليس على خلفية التعبير عن الحزن والتضامن مع قتلى.
ولا يبدو مجدياً تحليل ما دار في ذهن نتنياهو ودفعه للقيام بهذه الحركات، وما إن كان مرتبطا برفضه أن يكون في الصف الثاني فيما رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يقف في الصف الاول، أو بهدف تقديم نفسه كجزء من القادة العالميين الذين يقفون بوجه الارهاب. ومع أن الجو الاعلامي أوحى بأن نتنياهو خرج خاسرا ومحرجا من هذه القصة، لكن بالنسبة له قد تكون المعايير مختلفة، بل قد يرى في ما جرى انتصارا لاسرائيل التي تقدمت لتكون في الصفوف الاولى للدول المواجهة للارهاب، وانه بالرغم من التحفظات الاوروبية على السياسات الاسرائيلية لكن ذلك لم يحل دون أن يكون نتنياهو الى جانب الرئيس الفرنسي في مواجهة الارهاب.
في كل الاحوال، لم يتوقف نتنياهو عند هذا الحد، وانما ناشد اليهود الفرنسيين للهجرة الى ارض اسرائيل باعتبارها «بيتهم الحقيقي». وكان واضحا ومباشرا في توظيف الحدث الفرنسي لصالح رؤيته ومفهومه للارهاب، معتبراً أن إسرائيل «تدعم أوروبا في صراعها مع الإرهاب، وجاء الوقت الذي يجب على أوروبا ان تدعم فيه اسرائيل في نفس الصراع». واضاف نتنياهو، خلال كلمته اثناء مراسم تأبين ضحايا الهجوم على متجر يهودي اقيمت في الكنيس المركزي في باريس، أن «قتلة المصلين في الكنيس في القدس وقتلة الصحافيين واليهود في باريس هم من أتباع نفس الحركة الدولية الارهابية التابعة للاسلام المتطرف». وحذر نتنياهو من ازدياد الاعمال الارهابية مع عودة الالاف من الجهاديين من المعارك في الشرق الاوسط الى اوروبا.
وفي محاولة لاضفاء قيمة استثنائية على مشاركته في مسيرة باريس، رأى نتنياهو، خلال لقائه قادة الجاليات اليهودية في باريس، ان «هناك أهمية كبيرة بأن يرى العالم رئيس حكومة اسرائيل يسير جنباً إلى جنب مع كل قادة العالم في جهد واحد لمحاربة الإرهاب». وأشار إلى أنه «إذا لم يتوحد العالم الآن ضد الإرهاب؛ فإن الضربات التي جربناها هنا ستزداد بينما الناس لا يدركون ذلك، ولذلك أنا أتمنى أن تتوحد أوروبا». كما وتطرق نتنياهو لزيارته أمس للكنيس الكبير في باريس مؤكداً انه «كان هذا في لحظة تضامن يهودي».