عبد الحليم فضل الله

تنتقل قيادة الأسواق الرأسمالية إلى خارج الدول الغربية، ويجري هذا الأمر تدريجاً ودون نزاعات حتى الآن. يكفي التأمّل في وجوه المشاركين في المؤتمرات الاقتصادية الدولية وملامحهم للتأكد من ذلك. لكن القصة التي تبدأ بالاقتصاد وتنتهي بالسياسة لها ذيول أخرى، فمن الصعوبة بمكان أن يصمد النظام الاقتصادي العالمي الراهن أمام ما يواجهه من ضغوط، ولن تساعده كثيراً التعديلات المتفرقة، أو البرامج الدولية الفضفاضة التي لا تؤثر على السياسات المحلية بالقدر الكافي.
إنّ اتساع دائرة التهديد وتنامي المخاطر يبعثان روح التضامن بين المتضررين، وهؤلاء غير مستعدين لتحمّل ثمن إنعاش اقتصاداتهم وإنقاذ الاقتصاد الأميركي في الوقت نفسه، بل سينحازون إلى الدفاع عن مصالحهم الوطنية. ومع أنّ القومية الاقتصادية هي بالنسبة إلى الدول الغربية عملاً رجعياً يستبطن الانعزالية والتطرّف، فإنه بالنسبة إلى الآخرين حق مكتسب، وإعادة تنظيم متأخرة للعلاقة مع الاقتصاد العالمي الأكبر الذي ضُبط متلبّساً بجرم استباحة الموارد العالمية بطرق ملتوية وأساليب مستنكرة. وتتكرر في العديد من الدول الدعوة إلى الكفّ عن شراء سندات الخزينة الأميركية إفساحاً في المجال أمام إنفاق مزيد من الأموال على البنية التحتية وعلى الحاجات الاجتماعية. ومع أن هذا الأمر قد يحوّل ركود أميركا إلى كساد، فإنه خيار مشروع، وخصوصاً أنها كانت المبادرة إلى الإخلال بالتزاماتها الدولية.
إنّ تطور الطريقة التي يجري بها تحليل الأزمة يدلّ على إمكان حدوث تحوّلات مهمة. في البداية انهال الانتقاد على الإجراءات الخاطئة التي اتُّبعت في السنوات الأخيرة دون مس المبادئ العامة. أما الآن، فيتنامى الاعتقاد بأنّ سياسات التسعينيات التي اعتمدت على عجل لتعزيز الانفتاح التجاري والمالي هي من الأسباب الرئيسية للأزمة. وحتى غلاة المتمسّكين بمبادئ العولمة باتوا أكثر استعداداً لتقبّل مراجعات قاسية. ويتردد في صفوف المحافظين أنفسهم لوم صريح للرأسمالية الانغلوساكسونية (الليبرالية)، التي تزيد المخاطر وتقلّل من المساواة وتعمل على زعزعة الاستقرار، حسب تعبيرهم. لقد أدّت الأزمة إلى انهيار الحواجز التي تضع قيوداً على التفكير، وثمة تربة خصبة لأفكار جديدة، وكلما اتسع الفراغ الناشئ عن الأزمة زاد عدد المشاركين في السباق، الأغنياء والفقراء، التقدميون والرجعيون، أصوليّو السوق وأنصار الحماية، لكن الأهم هو أن الدول النامية باتت قادرة على فرض بعض شروطها على الدول المتقدمة، وتزداد الإشارات وضوحاً إلى أن الغرب بدأ يفقد ميزة الفرادة ولم يعد وحيداً في دائرة اتخاذ القرار العالمي.
بيد أن الاستدارة نحو الشرق ليست محققة، وتتطلب تعاوناً أوسع بين الدول النامية. لا يكفي اجتماع أربع دول هي الصين والهند والبرازيل وروسيا لتكريس توازن جديد للقوى على المستوى الدولي، ولا تمثّل مجموعة العشرين الإطار المناسب لتظهير صعود الدول الناشئة، والتعبير عن دورها العالمي المتزايد. صحيح أن هذه الدول تعاني من نتائج الأزمة، شأنها شأن الآخرين، لكنّها تملك ما لا تملكه الدول الغربية: النمو الإيجابي وإن بنسب متراجعة، واحتياطيات مالية ضخمة جاهزة للاستخدام. وأي تهديد منها باتباع نظام نقدي جديد سيلزم الدول الأخرى بالتفكير مليّاً قبل التمادي في تحريك أرجوحة الصرف العالمية.
إن من شروط استمرار انزياح النفوذ نحو الشرق والجنوب، إدخال مزيد من الدول النامية إلى دائرة القرار العالمي، بما في ذلك الدول الفقيرة أو تلك المهددة بأزمات حادة. وجود هذه الدول لا يعني فقط زيادة في قوة التمثيل، بل يساعد على رد الاعتبار لنموذجي التنمية والرفاه الاجتماعي اللذين أصيبا بانتكاسة في العقود الثلاثة الماضية، وهذا أمر مهم. فالدول والمجموعات التي ستكون السبّاقة إلى تقديم نموذج يتعامل في آنٍ معاً مع الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والمالية والبيئية، ستعزز دورها وتزيد من فرصها قبل الآخرين، وربما على حسابهم.
لقد تحاشت الدول الناشئة، وخصوصاً الصين، تحدّي النفوذ الأميركي، وسعت طوال الوقت إلى أن يكون نموّها ودّياً، فاكتتبت بسندات الدين الأميركي، واعتمدت الدولار عملة رئيسية، وتجنّبت تسييل مكانتها الاقتصادية على المسرح الدولي سياسياً أو عسكرياً. لكنّ بقاء الأمر على هذه الحال لن يساعد في تغيير موازين القوى المؤثرة على الشأن الاقتصادي. وتتنامى اليوم وجهة نظر تقول بأنّ خطوط تجارة الدول النامية تبقى معرّضة للتهديد ما لم يواكبها نفوذ دولي فاعل. وبكل بساطة، لا يمكن دول الشرق والجنوب أن تنتزع زمام المبادرة من خلال تعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق أو داخل المؤسسات الدولية فحسب، بل عليها أن تفعّل حضورها السياسي والاستراتيجي على المسرح الدولي، كما أن ذلك لا يحصل من دون رد الاعتبار إلى مبدأ السيادة الاقتصادية. فالسياسات الرئيسية في العالم ترسم على نطاق ضيّق، لكنها تطبّق على نطاق عالمي. وفي الحقبة التي تفقد فيها التنمية أهميتها، تصبح السياسات الوطنية أدنى تأثيراً من تلك التي تضعها الشركات الكبرى والمؤسسات الدولية والدول المتقدمة. وتعتبر أسواق الصرف كذلك من أدوات فرض هيمنة الدول الصناعية وتصدير مشكلاتها. وتكثر في هذا الصدد الدعوات للحفاظ على استقرار معقول لصرف العملات الرئيسية ضماناً لحقوق الدائنين، ما حدا بجوزف ستيغليتز إلى اقتراح عملة احتياط عالمية بديلة للدولار بعد فشله في تحقيق التوازن المنشود.
إن تطوير النظام الدولي لمصلحة عدد أكبر من الدول، يعتمد على مدى الاستعداد لتبنّي مبادرات جريئة، من شأنها توسيع الخيارات السياسية والفكرية المتاحة، وانتزاع الأدوات والوسائل التي تمنح واشنطن تلك المكانة الخطيرة، المهددة لاستقرار العالم ونموّه ورفاهيته.