strong>الرشى والعلاقة الشخصيّة شرطان للمرور... والتجاوزات على جانبي الحدود

لا تنتهي حكايات فلسطينيي غزّة مع معبر رفح، الذي يمثل صلة الوصل الوحيدة بينهم وبين العالم الخارجي. الذُّل والمعاناة والتمييز، هي أقل ما يواجهونه إذا أرادوا العبور إلى مصر، للتعلّم أو الطبابة... وغالباً ما تحدد العلاقة الشخصية مع موظفي المعبر، إضافة إلى الرشى، مصير الآلاف

غزة ــ قيس صفدي
ودّع زوجته وأطفاله أكثر من مرة، وحاول السفر مراراً خلال الشهور الماضية، غير أن محاولاته باءت بالفشل بسبب الإجراءات المعقدة من السلطات المصرية، وسوء الإدارة من سلطة المعابر التابعة لحكومة «حماس» عند معبر رفح الحدودي.
قال أحمد، وهو طالب دراسات عليا في إحدى الجامعات المصرية: «بات الخطر يهدد مستقبلي بسبب إغلاق معبر رفح»، وهو المنفذ الوحيد لسكان قطاع غزة على العالم الخارجي. وأضاف أن «شهادة القيد التي تثبت التحاقي بالجامعة شارفت على الانتهاء، وعدم تمكني من السفر سيعرضني لدفع مبالغ إضافية، فضلاً عن تأخير حصولي على شهادة التخرج». ويعاني سكان غزة من إغلاق المعبر كلياً منذ سيطرة «حماس» على القطاع في منتصف حزيران عام 2007، إذ لم تفتحه السلطات المصرية طوال عامين إلا استثنائياً.
وحسب سلطة المعابر، فإن 3 آلاف فلسطيني دخلوا إلى القطاع عبر معبر رفح، الذي فتحته السلطات المصرية أمام المسافرين في الاتجاهين لأربعة أيام فقط. غير أن آلاف المسافرين الآخرين، وبينهم أحمد، لم يحالفهم الحظ بالسفر بعد أيام طويلة من الانتظار والمعاناة.
وقال أحمد إن عدم تمكنه من السفر «سبب له أزمة حقيقية، فهو مضطر إلى السفر بسرعة كي يتمكن من الالتحاق بالجامعة واستكمال رسالة الماجستير ومناقشتها، كي يعود إلى عمله الذي حصل منه على إجازة من دون راتب إلى حين العودة».
واشتكى مسافرون من تعمد السلطات المصرية البطء في إتمام إجراءات المسافرين، وتمكينهم من مغادرة المعبر، رغم أنهم ذوو الحالات الإنسانية التي تشمل فئات الطلبة والمرضى وأصحاب الإقامة في الخارج. وقال أحمد إن المسافرين عبر معبر رفح «يواجهون معاناة كبيرة بسبب الإجراءات المعقدة من جانب السلطات المصرية، إضافة إلى سوء الإدارة والواسطة والمحسوبية».
ولم يخف أحمد أنه بدأ يفقد الأمل شيئاً فشيئاً، وبات يفكر جدياً في إلغاء إجازته والعودة إلى عمله، قائلاً: «لم أعد قادراً على احتمال مشاهد التزاحم والذل».
المئات من الطلاب في غزة، من أمثال أحمد، لم يتمكنوا من الالتحاق بدراستهم في الجامعات العربية والأجنبية بسبب استمرار إغلاق المعبر، فيما كثير من الفلسطينيين الذين يحملون «إقامات» في دول خارجية يهدد مستقبلهم الخطر وقد يفقدون أعمالهم وحق الإقامة.
وتشترط وزارة الداخلية في حكومة «حماس» تسجيل الراغبين في السفر ممن تنطبق عليهم الشروط والمواصفات ضمن الفئات المحددة (أسماءهم في كشوفها لتنسيق سفرهم)، وترفض التعاطي مع أي حالات من خارج الكشوف. غير أن مسافرين أكدوا وقوع تجاوزات كثيرة من جانب موظفين في سلطة المعابر، سمحوا لحالات غير مسجلة بالسفر، وتعطيل سفر آخرينوبينما لم يتمكن أحمد من السفر رغم امتلاكه كل الأوراق الثبوتية، وتسجيله المسبق في كشوف وزارة الداخلية، تمكن عماد من السفر برفقة زوجته وأولاده، بواسطة علاقته الشخصية مع موظف في سلطة المعابر. وقال شقيق عماد، لـ«الأخبار»، إن «شقيقه توجه برفقة زوجته وأطفاله إلى المعبر من دون تنسيق وتسجيل مسبق، واستعان بصديق له في سلطة المعابر، أوصله إلى الصالة المصرية، بعيداً عن الحافلات التي تعدها وزارة الداخلية». وأضاف أن «شقيقه دفع 200 دولار رشوة لمسؤول مصري في المعبر، سمح له بالمرور بسرعة غير مسبوقة، ومن دون أي عوائق».
وقال مسافر رفض ذكر اسمه إن «موظف مصري في المعبر خيره بين الترحيل إلى المطار مباشرة لكونه يحمل تأشيرة سفر لدولة الإمارات، أو دفع مبلغ 600 دولار لمندوب سفارة فلسطين في القاهرة محمد عرفات، كي يسمح له بدخول الأراضي المصرية من دون ترحيل». وأضاف أنه اختار الترحيل. «وعندما طال به الانتظار، اتصل بعرفات كي يعجل له بالإجراءات، لكن الأخير اعتقد أنه وافق على دفع المبلغ للمرور إلى مصر، فأغضبه الرفض، واستعان بالسلطات المصرية التي أعادته إلى غزة».
ويعتقد المسافر بوجود اتفاق غير معلن بين عرفات ومسؤولين مصريين في المعبر «لتقاسم الرشى والسماح للمسافرين بدخول مصر».
وشددت سلطة المعابر على أنها «لن تسمح بأي تجاوزات على معبر رفح»، نافية بشدة أن «تكون هناك أي وساطة أو تدخلات تحكمت في دخول المواطنين من غزة وإليها». وقالت في بيان: «لا ننكر وقوع بعض التجاوزات من موظفي المعبر، وقد تابعناها وسنحاسب كل من ارتكب خطأ خلال فترة العمل»، مؤكدة أن «التعامل مع جميع المواطنين سواسية».
وعزت سلطة المعابر حدوث ازدحام شديد في قاعات الانتظار في المعبر إلى بطء دخول الحافلات إلى الجانب المصري، إضافة إلى أن تجمهر المواطنين أمام بوابة المعبر سبّب إرباكاً أمام تسهيل عملية السفر.