Strong>وائل عبد الفتاح

دخلت مصر هذا الأسبوع في دائرة الأرقام القياسية في أنفلونزا الطيور، لتلحق بسابقتها في التهاب الكبد الوبائي وعدد أطفال الشوارع وحوادث المرور. أرقام متطرفة لنظام يقال دائماً إن اعتداله مفرط. لكنها على ما يبدو معادلة يحفظ سرها كهنة سريون، يعرفون متى يقدمون القرابين ليسير النظام رغم كل شيء

■ انقلاب في دولة الفساد



المسؤول المتهم بالرشوة في البنك الأهلي المصري كبير. لكنه قرر الاعتراف على مسؤول أكبر. وهذا ليس أقل من انقلاب في دولة الفساد. تقريباً لم يخرج أحد طوال الـ٣٠ سنة الأخيرة على القانون السري للفساد وأباطرته.
يعرف المتهم والضابط، وربما المحقق، أن وراء المتهم المعتقل، يداً كبيرة تحميه وتفتح له الطرق. لكن لا أحد يستطيع الاقتراب. لأن المتهم لا يفتح فمه ويعترف على «الرجل الكبير» الذي يعمل تحت حمايته. ولهذا، فإن ما حدث أخيراً في قضية رشوة البنك الأهلي هو تفكك قد يفتح أبواباً مغلقة، وقد يدفع الرجال الكبار المتخفّين وراء مقاعد سوداء غامضة إلى أن يتداركوا الأمر ويوقفوا تهوّر مستشار البنك الأهلي عند هذا الحد. لأنه إذا اعترف كل متهم بالرشوة عن تفاصيل الشبكة التي تحميه، فستسقط أسماء كبيرة وكبيرة جداً.
مؤسسة الفساد هي التي تحكم، وتحوّلت معها المصالح الحكومية أو القريبة من الحكومية إلى أندية للحظ ومزارع تربية ديناصورات.
الطبيعي منذ ٣٠ سنة أن يكون المسؤول فاسداً. هذا ما تقوله قصص الصعود المفاجئ في ثروات كبار الموظفين. وما تقوله أيضاً التعاملات اليومية، حيث أصبحت الرشوة المباشرة أو المغلفة، عقداً غير معلن بين المواطنين وجهاز الموظفين. لم تعد الرشوة عاراً اجتماعياً أو جريمة غير شرعية. أصبحت جزءاً من النظام الحكومي وسلوكاً اجتماعياً يتورط فيه الجميع بصورة أو بأخرى.
يشعر المسؤولون على كل درجات السلم الوظيفي بأمان ملحوظ. لا أحد سيتغيّر لأنه فاسد. لن يسقط إلا إذا سقطت الشبكة التي تحميه أو أرادت التضحية به. شبكات النفوذ هي أجنحة في تركيبة السلطة العليا. كل منها يرتبط بخيط ما مع أصحاب القرار. الموظف الكبير مطمئن الى قوة مؤسسة الفساد في مصر، التي تتعاظم وتتزايد في ظل غياب حركة تداول السلطة، وفي ظل تنامي مراكز القوى داخل النظام السياسي الطويل العمر.
هكذا تحولت الديناصورات إلى مافيا على الطريقة المصرية. توحّش الفساد وأصبح «مؤسسة» موازية في كل المؤسسات التي قامت عليها الدولة. الرجل المتنفّذ مؤسسة في حد ذاته. هو في كل مكان.
البحث عن وظيفة، التفكير في مشروع، الحصول على رخصة قيادة، أي شيء، لا بد من رجل متنفّذ يفتح الأبواب المغلقة.
الوجود هنا رهن الحصول على رضى الرجل القوي وحاشيته. نخبة لم يخترها أحد. تجمعت حول مراكز القوى والنفوذ. نخبة موظفين احترفت السلطة واحتكرتها بعجينة نادرة من القوانين ترسخ بيروقراطية يقدرون على كسرها بنفوذهم، الذي أصبح أسطوريّاً متجاوزاً للعصور السياسية المتباينة في توجهاتها ومشاريعها الأيديولوجية.
هؤلاء الموظفون لديهم ثقافة ريفية تقليدية يمجدون فيها صاحب السطوة ويغنون في جوقته ويحتمون بالعصبة والقرابة، ويخلقون جيشاً من الأتباع يعيشون على الولاء الشخصي. هؤلاء حكام مصر منذ نصف قرن. وهم الآن في مرحلة جديدة؛ اتسع نفوذهم وتأهلوا ليعملوا تحت قانون الوراثة.
ينتقل الوضع المميز من الكبير الى الابن، بغضّ النظر عن المهارات أو الكفاءات التي يتمتع بها هذا الابن. الميزة الوحيدة أنه ولد لأب قوي وينتمي إلى عائلة لها سلطة ونفوذ. هي ثقافة عصر المماليك تطل من كل المؤسسات الكبيرة.
النخبة تخنق الفرص من أعلى، تحتكرها، ومع استقرارها في مواقعها لسنوات طويلة يكبر عندها إحساس العائلة. هم معاً عائلة.
الفساد الصغير في عصر عبد الناصر (موظف يرتشي، يستغل نفوذه، أو مسؤول يفسد جهازاً كبيراً ويديره على هواه ومزاجه، كما في واقعة صلاح نصر وجهاز الاستخبارات)، هو فساد فردي يعتمد على حركة مسؤول تتضخم سلطاته أو تتسع صلاحياته فتتحول السلطة المطلقة الى مفسدة مطلقة.
مع بداية عصر السادات وقوانين التحول من مجتمع اشتراكي الى مجتمع السوق المفتوح والتغيير في القوانين واللعب في المراحل الانتقالية. هنا ولد الفساد الكبير. فساد الشبكات بين شطار السوق والمسؤولين. مافيا تلعب بالقوانين والثروات الناعمة. وتحتمى بالنفوذ. السياسة تحمي البيزنس. والبيزنس يشتري السياسة ويبني الأسوار العالية حول إمبراطوريات المال الحرام.
هذا ما يحدث الآن، حيث تضخمت دولة الفساد وتحولت المافيا الى مجموعات سرية. تكتسب قوتها من علاقة ما بالسلطة. يدير كل منها أب روحي. وهي شبكة من المستحيل اختراقها لأنها تتخلص من الأعضاء الخائنين بالتصفية المعنوية. ليس من حق عضو المافيا الخروج سالماً طلباً للبطولة أو الشرف، وهذا ما يجعل عضو المافيا يحافظ عليها وعلى قوتها واستمرارها.
ولهذا، فإن اعترافات مستشار البنك الأهلي هي صدمة كبيرة لكل رجل كبير. لأنها ربما تتحول إلى عدوى، وكلما ألقت الأجهزة القبض على مرتشٍ لن يكتفي بالتهديد الذي يجعل الرجل الكبير يتحرك ليخفف التهم أو ليفرج عنه، بل سيواصل التهور.
الاعتراف تهديد حقيقي لدولة الفساد في مصر، لأن الرجل المتنفّذ يسيطر على أتباعه بملفات.
والسلطة تترك الناس يستغلون مساحة غفلة الدولة. وأناس يظنون الغفلة مطلقة. ثم في لحظة غير محسوبة تفتح الدولة الملفات وتحاسب على الأخطاء. وقت الحساب هو السلطة المحفوظة في مكان عميق لا يقترب منه أحد.
الزمن هو كهنوت السلطة وقدرتها على إحداث المفاجأة. يتصور الخصوم والرعايا أنها ضعيفة. لكنها في لحظة تلتف وتضرب ضربتها. كل عضو صغير في مافيا الفساد المصرية يخاف من اثنين: سلطة الرجل الكبير وملف فضيحته الذي يفتح وقت اللزوم.
المتهمون بالرشوة هم قرابين السلطة للشعب، تلقم به الجوع الى الانتقام من عمليات النهب المتواصلة. لكن الضحية لا بد أن تسير إلى مصيرها صامتة.
الآن هناك من خرج عن الاتفاق. وخرج عن النص واعترف على رجال كبار. أي إن خوفه لم يمنعه من كسر قانون المافيا المصرية.
إلى أين سينتهي انقلاب المافيا المصرية على نفسها؟

■ حرب على «الإيموز»رجل بلا رأس يحمل مكنسة صفراء. رسم مطبوع على اسفلت شوارع وسط البلد، لكنه تحول الى رسالة رعب. من وراء هذه الرموز المشفرة؟ الخيال تحرك من نقطة واحدة: المؤامرة الخفية
هناك شعور يتضخم في مصر بوجود مؤامرة متقنة تتم عبر كيانات غامضة. المؤامرة لها أبعاد تتعلق بحروب الاستحواذ على الأراضي والعقارات بين أجنحة في نخبة المال والسلطة. لكن أجهزة النظام المحترفة تستفيد من الشعور الكامن بانتظار «جيش المؤامرة» لتعيد بناء شبكة علاقة مع المجتمع.
المجتمع في انتظار «برابرة». والنظام أيقظ البلد على خبر الذعر من علامات المكنسة الصفراء.
خيال بوليسي محترف أيقظ مشاعر الإثارة في مجتمع محافظ تعوّد على الاستقرار والحياة الممتدة في مواعيد لا تتغير وعلامات ثابتة ثبات نهر النيل.
انشغل الناس بالبحث عن أشباح يرسمون العلامات في الليل ليراها الناس في النهار. طاردت أجهزة الأمن الأشباح. وكان المتوقع أن تستمر المطاردة أياماً وأسابيع. لكن الأجهزة كانت متعجلة لأن لديها «برنامجاً كاملاً» لاستعادة قدرتها على جذب الناس الى القلب الحيوي للدولة أو النظام (تلاشت تقريباً المساحة بينهما).
البرنامج يتضمن 3 أنواع من القضايا والملفات: الأول يتعلق بسيادة الدولة على حدودها. والثاني يتعلق بطهارة الدولة وقدرتها على غسيل مؤسساتها من الفاسدين والمرتشين. أما الفقرة المثيرة فهي «الخوف من اختراق منظومة القيم الأصيلة العالية والممتدة على مر السنين عبر ترسانات أخلاقية ودينية يحاول الأعداء اختراقها لضرب القوى الحيوية»، كما يتخيل عشاق ومدمنو نظرية المؤامرة.
هذه الفقرة هي الأهم تقريباً لأنها تعطي الوجه الطيب لنظام مستبد وشرس. تمنحه مهمة حراسة القيم المهددة من جيوش الانحلال الغربي. ولهذا سارعت الأجهزة المنتفضة لإعلان الخبر: قبضنا على أصحاب الرسوم الغريبة.
الخبر هو رسالة تطمين. لا تهم أمامها التفاصيل: من؟ ولماذا؟ لم يلتفت الجمهور المتابع لمطاردة الأشباح إلى تفصيل أن هذه كانت شعارات حملة نظافة يقوم بها معرض شهير في وسط البلد.
لكن القبض على موظفين وفنانين في المعرض أعطى الإيحاء بأنه تم القبض على «التنظيم السري». لكن ليس هناك تنظيم ولا شبهة ولا ملامح تنظيم. هناك متهمون بلا تنظيم.
وعلى الأجهزة البحث عن تنظيم بلا تهمة. وحدثت الصدفة العجيبة. برنامج تلفزيوني عن «الايموز». البرنامج أدار الحوار بمنطق يضع شباب تلك التقليعة في موضع الدفاع. تقليعة الايموز دخلت مصر من 5 سنوات وضمت إليها ما يقرب من 10 آلاف شاب تجمّع أغلبهم عبر مجموعات «الفيس بوك»، وامتدت عبرها خيوط الى مجموعات تمرد شبابية منتشرة في العالم كله تحت شعار مختصر للشخص «المتمرد ذو نفسية حساسة».
يغلب «الايموز» العاطفة على الغريزة والعقل. ويعتبرونها بوابة (دخول أو خروج) إلى العالم المشحون بالنزعات والغلظة البشرية. هذه نزعات وتقليعات مرتبطة بالمراهقة. يبدو أن نزقها هو محاولة اتزان بين أرواح فوارة وواقع منضبط. تتداخل الموسيقى (الميتال والروك والجاز) بالملابس السوداء والاكسسوارات المبالغ فيها وطرق قص الشعر وتزيين الوجوه. المشاعر المرهفة الى حد النزوع الانتحاري والعلاقة المازوخية التطهيرية للجسد عبر الإيلام الذاتي وجرح الجسد كطريق لاتّزان نفسي.
محاولات ليست جديدة تماماً إلا في تجميعها لحزم مختلفة من تقليعات قديمة تتفق مع مفهوم إعلاء العاطفة.
اقترب «الايموز» المصري من المفهوم العالمي بحذر معتاد. اكتفى المصريون بالحدود الآمنة من مغامرة «الايموز» (بعيداً عن المخدرات وإيلام الجسد والانتحار) كانت هذه هي الخصوصية المصرية في دخول «الايموز» كرحلة اكتشاف تمرد، تنتمي إليها مجموعات شباب غير متسقين مع بيئتهم العمومية. أغلبهم من طبقات قادرة على التواصل مع موسيقى وأفكار أوروبا وأميركا، ويشعرون بأن هذا التواصل هو «ميزة» اجتماعية.
شرائح أخرى ترى أنها «تميز ثقافي» بعيد عن مجتمع تستشري فيه العقلية الريفية المحافظة المغلفة بتدين شكلي مغلق.
«الايموز» الأصليون غاضبون من «الدخلاء» و«المزيفين». وفي هذا الغضب معيار «طبقي» مغلف يجعل من تقليعة التمرد «ايديولوجية سلبية».
هكذا كان الإيموز بكل هذه التناقضات هدفاً مثالياً لكي تتحول الأشباح إلى حقيقة.
أولاً لأنهم يلعبون على ضجة قديمة سمّتها أجهزة الأمن «عبدة الشطان»، وكانوا مجموعات شباب هواة موسيقى الميتال، حوّلتهم أجهزة الأمن والإعلام في يوم وليلة إلى تنظيم عقائدي يعبد الشيطان.
الضجة حدثت في منتصف التسعينيات وأثناء واحد من المفاصل الانتقالية للنظام حركته رغبة ضابط في تحقيق مجد شخصي وشهوة نظام لتقديم قرابين أخلاقية يسكت بها الجموع المشتاقة الى صنع إبليس كل يوم، يرجمونه ويتخلصون عبر الرجم من عقد الذنب والإدانة.
البرنامج التلفزيوني بثّ في نهاية الحلقة توبة «الأب الروحي» «للايموز» في مصر عن هذه الأفكار. وانشغلت العائلات الخائفة على انزلاق أولادها إلى مستنقع «الشذوذ الجنسي والإلحاد والمخدرات» بالذعر من اختراق ترسانة القيم الأصيلة.
أصبحت الملابس السوداء علامة على الانحلال.
وأشباح القاهرة اسمهم الآن «ايموز» تريد الأجهزة إقناع الناس بأنها ستطهر البلد منهم ليعود صفاء مصر الغائب بسبب الجماعات المنحلة. ويبقى «الايموز» في مصر قرابين إله جائع للسلطة.