طوت تونس صفحة الذكرى الرابعة على خلع الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في «14 جانفي»، لتدخل ابتداء من أمس، في مشهد سياسي جديد، يديره رئيسها الباجي قائد السبسي ويسعى من خلاله إلى تحديد قواعد «الجمهورية الثانية» وأفق أدوار مختلف أفرقائها. قد تكون تلك خلاصة الارتباك البادي اليوم ضمن الساحة التونسية على خلفية التجاذبات ــ الحادة ــ بشأن تشكيل الحكومة المقبلة.

وعلى الرغم من عبور البلاد بمراحل مختلفة خلال الأعوام الماضية، لا تزال التجاذبات الإعلامية تتحكم بيوميات المشهد، بشكل ينجح في خلق استقطاب لدى الرأي العام حول أي من القضايا المطروحة؛ سياسية كانت أو اجتماعية، أو حتى ذات طبيعة اقتصادية.

واليوم، يعيش التونسيون على وقع قضية تشكيل الحكومة، وما يرافقها من نقاشات تدور حول مسألتين: إمكانية مشاركة «حركة النهضة» (69 نائباً من أصل 217) فيها أو لا، إضافة إلى طرح قضية الخلافات داخل «نداء تونس» (حزب الرئيس؛ 86 نائباً) بشأن التعاطي مع المرحلة الراهنة.
«النهضة» أعلنت قبل أيام استعدادها للمشاركة في حكومة حبيب الصيد (كان مسؤولاً في وزارة داخلية النظام السابق) «إذا تلقّت عرضاً رسمياً». يذهب عدد من المراقبين إلى القول بأن هذا القرار رمى بقنبلة في هيكل «النداء» على اعتبار أنه غير مقبول لدى فئة مهمة من قيادييه، فيما يعتبر آخرون أن «الحركة» تواجه «تصدعات» واضحة في هياكلها وهي تحاول عبر قرارها الأخير كسب الوقت والمناورة.
أما الصعوبات التي يواجهها «النداء» فهي تنبعث من كونه هجيناً في تركيبته، إذ بناه السبسي قبل نحو ثلاثة أعوام عبر جمع شخصيات متباعدة في توجهاتها («دستوريين» ويساريين ونقابيين)، لكنها كانت موحدة في حينه على مواجهة حكم «الإسلاميين». ولا تقف النقاشات عند حدود القبول بـ«النهضة» كشريك أو لا، بل تتمحور الخلافات حول توزيع الأدوار ضمنه وحول مسألة أساسية، وهي انتخاب رئيس جديد له بعد تسلم قائد السبسي مقاليد الرئاسة.
ويقول النائب عن «النداء»، خميس قسيلة، إن «هناك حالياً في نداء تونس تيارين: فهناك من يريد بناء حزب عصري، وهناك من يتعامل مع الحزب على أساس أنه تركة»، في إشارة يراها مراقبون أنها تعني الفريق المحيط بالباجي قائد السبسي، وعلى رأسهم ابنه الحافظ قائد السبسي، الذي انضم إلى «الهيئة التسييرية» الحالية للحزب بعدما استقال والده.
عموماً، مهما تكن وجهة الأمور، يبدو أن الباجي سيكون الرابح الأكبر. فهو يدير ببطء عملية تشكيل حكومة يريد لها أن تكون تحت عباءة مركزية قرار القصر الرئاسي، بخلاف ما ينص عليه الدستور الجديد للبلاد. وللإشارة، فإن اختيار الصيد لتشكيلها شكل الإشارات الأولى لهذا النهج. فضلاً عن أنه يعيد تشكيل حزبه بما يتناسب ومقتضيات المرحلة المقبلة. أما عن «النهضة»، فيقول مراقب «يدرك السبسي طبيعة الأرض التي يتحرك عليها، ويعرف حدود الاشتباك مع خصمه الأول... لم ولن يتخطى ذلك»، مضيفاً في الوقت ذاته: «جميعنا ينتظر معرفة مآلات الخلافات الداخلية التي تواجهها النهضة».
(الأخبار)