مثّلت الحرب السورية تربةً خصبةً لـ«الجهاديين»، الجدد منهم والقدامى على حد سواء. وفرض العنصر الأردني نفسه في مرحلة مبكرة من مراحل ظهور «الجهاديين» في اللعبة السورية بفعل عوامل كثيرة، منها «الباع الجهادي الأردني» الطويل (في ما يخص الجهاديين القدامى)، والحدود الجغرافيّة الواسعة (375 كلم) التي لعبت دوراً محوريّاً في انتقال «الجهاديين الجدد»، يضاف إلى ذلك العامل «الإرشادي» المتمثّل بـ«المرجعيّات الجهادية البارزة» التي تقيم في المملكة.


الأردن و«جبهة النصرة»

كانت «النصرة» أوّل التنظيمات «الجهاديّة» ظهوراً مُعلناً في المشهد السوري. وكما بات معروفاً، فقد كان ظهورها أشبه بـ«ابتعاث قاعديّ». لم يكن الخلاف بين تنظيم «الدولة الإسلامية» وتنظيم «القاعدة» قد نشب بعد. تشارك الطرفان في رعاية «الوليد الجديد»، وكان طبيعيّاً أن يكون العنصر الأردني فاعلاً، ولا سيما في ظل حضوره القوي في تنظيم «القاعدة». ومنذ مرحلة «العمل السري» لعبت «السلفية الجهادية الأردنية» دوراً بارزاً في حشد «المهاجرين» وتجنيدهم لصالح «النصرة». وذلك بالتزامن مع بدء أبو محمد الجولاني، «أمير جبهة النصرة»، العمل في سوريا. كان عددٌ من أبرز «الوجوه الجهادية الأردنية» قد وصلوا إلى الأردن، مُبتعثين من زعيم تنظيم «الدولة» أبو بكر البغدادي بغيةَ «تنظيم التطوع والعمل على استقدام مهاجرين أردنيين». ومنهم مصطفى صالح عبد اللطيف (أبو أنس الصحابة)، وأياد الطوباسي (أبو جليبيب). مصدرٌ «جهادي» قال لـ«الأخبار» إنّ «أوّل نفير مُنظّم في صفوف النصرة كان في الحقيقة نفير الإخوة المهاجرين الأردنيين». المصدر قال إنّ «طلائع المهاجرين الأردنيين بدأت في الوصول على وجه التقريب في تموز 2011. كان هناك بعض الإخوة قد وصلوا فُرادى، لكنّ النفير المُنظّم بدأ في ذلك الوقت».
ووفقاً لمصادر «جهادية» متقاطعة، فقد كانت مدينة الزرقاء (التي يُنسب إليها أبو مصعب الزرقاوي) بمثابة شريانٍ أوّل لرفد «النصرة». يقول أحد المصادر لـ«الأخبار» إن «المجاهدين لم يكونوا يميزون بين النصرة والقاعدة. كانوا ينطلقون إلى سوريا وهم يعلمون أنهم ذاهبون للجهاد في صفوف القاعدة، نُصرةً للشعب السوري». علاوةً على «القادة المُبتعثين» من قبل البغدادي، لعب عدد من «المشايخ السلفيين» المقيمين في الزرقاء دوراً هامّاً في «حشد المجاهدين، وتهيئتهم الشرعية. ومن هؤلاء الشيخ منيف سمارة»، وفقاً للمصدر ذاته. كذلك، برز في هذا السياق القيادي الأردني البارز في «الجبهة» أبو سيف الأردني (أحمد حربي العبيدي)، الذي قُتل أخيراً تحت التعذيب في معتقلٍ تابع لـ«النصرة» نفسها! مقتل العبيدي دفع مصادر «جهادية» إلى كشف حقيقة الدور الذي لعبه «في استقطاب مئات المقاتلين الأردنيين قبل أكثر من ثلاث سنوات وإدخالهم إلى درعا».


«أمراء» عسكريون... و«شرعيون»

شغل أردنيون مناصب بارزة داخل «النصرة» منذ تأسيسها. وكان من أبرزهم «الأمير العسكري العام» أبو سمير الأردني (تؤكد بعض الجهاديين أنه أبو أنس الصحابة نفسه، الأمر الذي تنفيه مصادر جهادية أخرى). وتجدر الإشارة إلى رأي يتم تداوله في صفوف مناوئي «النصرة» مفاده أن «القيادة الفعليّة للنصرة كانت منذ تشكلها، وحتى اليوم بأيدي أمراء أردنيين، ولا يعدو وجود الجولاني كونه واجهةً لعدم إثارة حفيظة المجاهدين السوريين». كذلك، يبرز «الشرعي العام للنصرة» د. سامي العريدي، وهو واحدٌ من اللاعبين البارزين في «الجبهة» منذ تأسيسها. وقد سُلط المزيد من الأضواء عليه منذ ظهوره في أحد «إصدارات النصرة» بصفة «الشرعي العام».


حضور قوي في درعا والغوطة

يشكل الأردنيون العماد الحقيقي لـ«النصرة» في درعا، ومحيطها، حيث يبرز أبو المقداد الأردني، أحد القادة العسكريين البارزين في درعا. ومن «الأمراء» الجدد، يبرز أبو عمير الأردني، الذي بويع أخيراً «أميراً لجبهة النصرة في درعا». كذلك يحظى الأردنيون بحضور قوي في الغوطة، حيث لمع نجم الوليد «أمير النصرة في الغوطة الشرقية» الذي تؤكد مصادر «جهادية» مناوئة لـ»النصرة» أنه «ضابط استخبارات أردني سابق»، وأبو خديجة الأردني «القاضي العام في الغوطة»، إضافة إلى أبو البراء «أمير الغوطة الغربية»، وأبو عبد الله الأردني «شرعي الغوطة الغربية». شمالاً، يبرز اسم معتز السخنة، القائد الميداني في حلب، والذي يؤكد المناوئون أنه «ابن لواء بالجيش الأردني». وأبو المقداد الذي شغل منصب «أمير إدلب»، وأبو عكرمة «القيادي العسكري» في إدلب، كما أعلن قبل أيام مقتل أبو قدامة الأردني «أمير حارم وسلقين» أثناء مشاركته في الهجوم الأخير على قريتي نبل، والزهراء في ريف حلب.

«مرجعيات عُليا»

علاوة على العناصر الفاعلين على الأرض، فإن أبرز «المرجعيات الشرعية» هم رموز في تيار «السلفية الجهادية» من الجنسية الأردنية، أو المقيمين في المملكة. ويبرز في هذا السياق كلٌّ من أبو محمد العطاوي، وأبو محمد المقدسي، وأبو قتادة، وأبو سيّاف (محمد الشلبي)، والذي نقلت مصادر «جهادية»، وإعلامية عنه تأكيده أنه «شارك بفاعلية في تأسيس النصرة». ومن اللافت أن نفوذ التيار الأردني في الميدان تزايد بتناسب طردي مع تزايد النشاط الإعلامي لـ«المرجعيات» من داخل الأردن، إبان تأجج «الحرب الأهلية الجهادية» بين «النصرة»، و«داعش»، والتي كان من نتائجها هيمنة «الأمراء» الأردنيين على «النصرة» (وجّه أبو محمد المقدسي رسائل وفتاوى من داخل السجون الأردنية، ويرى البعض أن السلطات الأردنية عقدت اتفاقات مع المقدسي، وآخرين من المشايخ تضمن لهم بعض الامتيازات، في مقابل توجيه النصرة في اتجاه يوافق المصالح الأردنية).

«الشهادة أشرف من السجن»

رغم نفيها المتكرر، للسلطات الأردنية دور في «نفير الأردنيين إلى سوريا» يتجاوز «غض النظر». مصدر «جهادي» أكد لـ«الأخبار» أنّ «معظم المهاجرين الأردنيين الذين لا يمتلكون خبرات سابقة كانوا قد تلقوا تدريبات أولية قبل نفيرهم». ووفقاً لمصدر آخر، فإن «الأمير الأردني أبو حارث الحياري الذي كان من أوائل الأمراء العسكريين في الأردن كان يرفض استقبال غير المتدربين». ومن المؤكد أنّ معسكرات تدريب «جهادية» استقبلت المتطوعين داخل الأردن، ترى بعض المصادر أن «الدور الرسمي فيها اقتصر على غض النظر عن وجودها»، فيما تؤكد مصادر أخرى أنها أقيمت أساساً بـ«إشراف رسمي غير مباشر عبر عناصر وضباط». علاوة على ذلك، دأبت السلطات الأردنية على اعتقال العائدين من القتال في سوريا، وتوجيه تهمٍ إليهم تتراوح أحكامها بين السجن 3 و7 سنوات. المفارقة أن أكثر التهم توجيهاً للعائدين من سوريا في الفترة الأخيرة كانت «تعكير صفو العلاقات مع دولة صديقة»، والتي عادةً ما تكون عقوبتها السجن خمس سنوات، الأمر الذي يدفع كثيراً من الأردنيين إلى تفضيل البقاء في سوريا ولو كان الثمن موتهم في المعارك، إذ إنّ «الشهادة أشرف من السجن عند الكفار» وفقاً لما يقوله مصدر «جهادي» لـ«الأخبار».