تظهر الميزانية المجمّعة للمصارف في نهاية كانون الثاني 2009 تراجع بنودها 470 مليوناً، إلا أن ودائع المصارف في «المركزي» ارتفعت 1.32 مليار دولار!


محمد وهبة
انخفضت الميزانية المجمّعة للمصارف التجارية في لبنان بقيمة 470 مليون دولار في نهاية كانون الثاني 2009، وبلغت 93.785 مليار دولار، وهي المرة الثانية منذ نهاية كانون الأول 2007، إذ كانت قد انخفضت مع انفجار الأزمة المالية العالمية في تشرين الأول الماضي بقيمة 1.331 مليار، ثم عادت إلى الارتفاع حتى نهاية كانون الأول 2008 حين بلغت 94.255 ملياراً.
هذه الوقائع تثبت بلا أدنى شك أن تداعيات الأزمة المالية العالمية على القطاع المصرفي اللبناني كانت موجودة، وهناك مخاوف من استمرارها، لكن المستغرب هو كيف تزيد احتياطات مصرف لبنان بالدولار، ولماذا تستمر الودائع بالارتفاع في ظل الازمة؟
تفسّر مصادر مصرفية مطّلعة على آليات عمل مصرف لبنان وأوضاع القطاع المصرفي اللبناني أن الانخفاض الأخير في الميزانية المجمعة للمصارف سببه تسجيل بعض المصارف في ميزانياتها خسائر أو سحوبات ودائع، ويمكن أن يكون سبب التراجع في التسليفات للقطاع الخاص أن ديوناً مشكوكاً بتحصيلها بدأت تسجّل في ميزانيات المصارف. إلا أن التراجع في الميزانية بلغ 470 مليوناً، فيما انخفضت قيمة الأصول الخارجية للمصارف 1.270 مليار دولار خلال كانون الثاني 2009 مقارنة بانخفاض قيمته 1.212 مليار خلال عام 2008 بكامله، فأين ذهبت هذه الأموال؟
وبحسب الميزانية المجمعة، يظهر أن المصارف استمرّت في إجراء عمليات تحويل أموال من مصارف المراسلة وفروعها الخارجية إلى فروعها المحليّة للاستفادة من ارتفاع نسب الفائدة على الليرة وانخفاضها إلى مستويات متدنية عالمياً على الدولار. ففي كانون الأول 2008، كانت تشير إلى أن المصارف حوّلت خلال 2008 من مصارف المراسلة إلى فروعها المحليّة 3.821 مليارات دولار، ما أظهر في بند الحساب الخارجي للبنان تدفقاً للأموال إلى لبنان. وقد تزامن هذا الأمر مع استمرار التحويلات من الدولار إلى الليرة، ما أدى إلى زيادة احتياط مصرف لبنان بالعملات الأجنبية بقيمة 10.982 مليارات دولار، فبلغ في نهاية 2008 حوالى 17.06 مليار دولار، وقد ارتفع حتى الأسبوع الماضي إلى 20.9 ملياراً.
إذاً، الأموال اتجهت إلى الأماكن الأكثر ربحية لها من دون أن نعرف بأي كلفة امتص مصرف لبنان 11.1 مليار دولار منذ نهاية كانون الأول 2007 حتى نهاية شباط 2009، فقد اشترى جزءاً كبيراً من هذه الدولارات ودفع ثمنها عبر شهادات إيداع بموافقة المصارف التي ستحصل على ربح مضمون من سعر الفائدة كالآتي: 2.50% للودائع ليوم واحد، 3.54% للودائع لثلاثة أيام، 3.63% للودائع لسبعة أيام، و4.14% للودائع لثلاثين يوماً.
ويمكن قراءة هذه التطورات من خلال بنود الميزانية المجمعة للمصارف في نهاية كانون الثاني 2009 كالآتي:
ــ تراجعت مجمل الودائع بالدولار 1.649 مليار دولار، فيما ارتفعت ودائع القطاع الخاص المقيم وغير المقيم بالليرة بما يوازي 777 مليون دولار، وذلك بالتزامن مع ارتفاع ودائع المصارف في مصرف لبنان بقيمة 1.32 مليار دولار إلى 27.057 ملياراً في نهاية كانون الثاني 2009، علماً بأن هذا البند قد سجّل ارتفاعاً بقيمة 7.331 مليارات دولار منذ مطلع 2008 حين كانت 19.725 مليار دولار.
ــــ تراجعت الميزانية المجمعة للمصارف 470 مليون دولار إلى 93.785 ملياراً، وقد نتج هذا الأمر أساساً من تراجع ودائع القطاع المالي غير المقيم (مصارف المراسلة) بقيمة 868 مليون دولار إلى 3.436 مليارات، وودائع القطاع الخاص غير المقيم بقيمة 108 ملايين دولار إلى 11.397 ملياراً، فيما تراجعت ودائع القطاع الخاص المقيم بالدولار بقيمة 669 مليون دولار إلى 42.845 ملياراً، وهو تراجع يظهر في هذا البند للشهر السادس على التوالي منذ آب 2008.
ــ انخفضت مجمل التسليفات للقطاع الخاص 122 مليون دولار إلى 20.939 ملياراً منها 177 مليون دولار بالعملة الأجنبية. وانخفضت اكتتابات المصارف في سندات الخزينة بما يوازي 431 مليون دولار إلى 24.918 ملياراً، وانخفضت أصول المصارف الأجنبية (موجوداتها خارج لبنان) 1.270 مليار دولار إلى 17.857 ملياراً، علماً بأن هذا البند قد سجّل انخفاضاً خلال 2008 قيمته 1.212 مليار دولار، أي إن الانخفاض بين نهاية كانون الثاني 2008 ونهاية كانون الثاني 2009 بلغ 2.482 مليار دولار.