فجأة، أصبح لدينا إجماع وطني جديد: الحرب في غزة فشلت. المستقيمون يقولون: «فشل». المضلّلون يقولون إن «الإنجازات قد بُدّدت». اليساريون بدورهم يقولون: «لم تكن هناك حاجة لشنّ عملية عسكرية». اليمينيون يقولون: «لم يكن ينبغي إنهاؤها». والجميع يعترفون معاً: إخفاق وفشل


هآرتس ــ جدعون ليفي
أجمع المستقيمون والمضلّلون واليساريون واليمينيون، وأخيراً الجميع في إسرائيل، على «الإخفاق والفشل» في حرب غزة الأخيرة. لكن الفشل صغير إلى هذا الحد في نظرنا لأن الحرب كانت شبه مجانية: 13 قتيلاً إسرائيلياً فقط. لذلك، يمكن القول إن هذه الحرب هي الأولى منذ 36 عاماً التي تنتهي من دون تشكيل لجنة تحقيق على أثرها. كان هناك إخفاق لا يقلّ جسامة عن كل ما سلفه، ولكن ليس هناك ما يمكن التحقيق فيه لأننا قَتَلنا فقط من دون أن نُقتَل، وهدمنا من دون أن نتعرض للهدم. لجنة التحقيق لن تتشكل، ولذلك لن يدفع أحد فاتورة الحساب. 1300 قتيل فلسطيني وعشرات آلاف الجرحى والمعوّقين و100 ألف شخص جديد بلا مأوى، ليسوا ثمناً جديراً بأن يقوم أحد بتحمل المسؤولية والذنب. كل ما حدث كان سدىً، فلم يتحقق أي إنجاز أو هدف. لا ردع، لا وقف للتهريب أو إضعاف لحماس أو إطلاق سراح جلعاد شاليط. هذه مسألة يجمع عليها الجميع لأنها تقوم على الحقائق الراسخة.
لكن الأدهى من ذلك هو أن هذه الحرب تمخضت عن ثمن باهظ: «حماس» زادت قوتها والشعب الفلسطيني جريح وأشد كراهية وإسرائيل تظهر في صورة المارق المجذوم في نظر الرأي العام الدولي، مع أعمال شغب في ملعب كرة السلة في أنقرة ومباراة تنس من دون مشاهدين مثل أكثر الدول كراهية ونبذاً.
لن يدفع أحد ثمن كل هذه الأمور. لا السياسيون الذين أخرجونا إلى هذه الحرب الجنونية، ولا القادة العسكريون الذين كانوا مقاولين ثانويين لهذه الحرب. لن يتعرض أحد للإقالة. أما التقديم للمحاكمة، فلا يتحدث أحد عنه ولا حتى عن الهزة الخفيفة في جناح الجبروت والطغيان والعنف الإسرائيلي.
وفي أطراف هذه النبوءات الرهيبة، ثمة جوقة المشجعين، هم الذين يجب، ربما، أن نسوّي الحساب معهم. هم الذين جلسوا في الاستوديوهات والصحف وأخذوا يحلّلون ويثيرون الحماس والغلواء، يحفزون ويضربون ويضغطون. المهم أن تعطوهم المزيد من هذه الحروب. ضَربوا وقتلوا وهدموا وتقدموا بلا إشباع أو توقف. وأكثر من ذلك، حثّوا طوال أشهر على الخروج بعد نفاد صبر «للعملية الكبيرة» التي يتوقون إليها. وعندما تحققت أمنيتهم، أخذوا يصرخون مشجعين بانفعال. لا تستهينوا بما فعله هؤلاء. كان لهم تأثير كبير في ظل وجود سياسيين انبطاحيين وضباط رماديين ضعفاء.
صوتهم دوّى من أدنى البلاد إلى أقصاها: اضربوهم. ثم قالوا: إنها حرب لا تضاهى في نجاحها وعدالتها. هم وضعوا بانفعال وإثارة التحركات والخطوات العسكرية العبقرية وأخفوا الفظائع عن سوء نية وخبث، وأظهروا الهجمة المنفلتة من دون عدو مقاتل على أنها حرب، وصوّروا لنا التقدم من دون عوائق على أنه قتال، بينما صوّروا المناورات العسكرية على ظهر السكان المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة بأنها نجاح. الزبد لم يجف بعد من شفاههم منذ استعراضهم الرهيب الناجح سابقاً في حرب لبنان الثانية، وها هم يتداعون للاستوديوهات. مرة أخرى، يعود جنرالات الاحتياط والمحللون المجندون الذين لاقوا فشلاً ذريعاً في حرب لبنان الثانية إلى غزة الأولى مع العبارات الاجترارية والحماسية نفسها. لم يفكر أحد باستبدالهم بأصوات أخرى بعد فشلهم المدوي سابقاً. هم لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً ومن ورائهم غالبيتنا الساحقة، نهز رؤوسنا بانصياع أعمى وراء ما يقولونه. وهجمة «عليهم عليهم» لم تنته. مرة أخرى بعد حرب لبنان الثانية، تحوّلوا إلى طليعة المنتقدين، طبعاً بعدما انتهى كل شيء بالفشل مع توقيت غير هام بالمرة، من دون خجل أو ندم، ومع الكثير من الغطرسة والغرور والتعتيم. الآن هم يعترفون: الحرب التي هلّلوا لها قد فشلت. لماذا؟ لديهم تفسير: لم نقتل عدداً كافياً. لو أتيح لنا المجال قليلاً (قليلاً تعني 200 طفل قتيل آخرين و500 امرأة جريحة) لتحقق النصر. لم يطالب أحد منهم بالرد: ما الذي كان سيحدث بالضبط لو واصلنا المزيد؟ هل كان شاليط ليخرج من أسره؟ وهل كانت «حماس» لترفع راية بيضاء؟ أم كان الشعب الفلسطيني سينضمّ والحالة هذه إلى الحركة الصهيونية؟
والآن استعدوا للمتعة المقبلة. هم يحثّون على الخروج مرة أخرى إلى غزة ولبنان من دون أهمية للأولوية. وعندما سيتحقق مبتغاهم، سيعودون للاستوديوهات في بداية الحرب المقبلة وسيكونون مع العملية، ثم ينقلبون ضدها ولن يحاسبهم أحد على عملهم الإجرامي هذا، ولن يكون هناك جديد تحت الشمس.