دمشق | أمام «مستشفى ابن النفيس» العام في حي ركن الدين الدمشقي، يتجمهر عدد كبير من المرضى وذويهم. الجميع هناك يتذمر، الأطباء والموظفون والمراجعون؛ السبب هو الضغط الهائل الذي يفوق قدرات المستشفى، الكبير.

«كان من المفترض أن يتوزّع هؤلاء المرضى على عشرات المشافي العامة والمراكز الطبية والعيادات في البلاد»، يقول أحد الأطباء لـ«الأخبار».

يضيف أن «معظم المراجعين هم من أبناء المناطق المتوترة، الحسكة ودير الزور والرقة وحلب وإدلب وريف حماة، فهذه المناطق كلها أصبحت بلا أيّ خدمات طبية». ويشرح الطبيب أنه عدا العمليات الإسعافية العاجلة، تكاد تغيب الخدمات الطبية في معظم محافظات البلاد: «العاصمة أصبحت المكان الأخير للتداوي، فهي تتحمّل ضغط نحو 10 محافظات على الأقل».
حال المرضى والمراجعين في «مستشفى ابن النفيس» قد لا تكون أفضل. رجل خمسيني من الحسكة يقول لـ«الأخبار» وهو ينتظر دوره ليراجع العيادة العينية في المستشفى: «لا يوجد طريق برّية بين الحسكة ودمشق. نضطر إلى القدوم جوّاً، ما يفرض علينا تكاليف إضافية باهظة». لكن لا تقتصر الإشكاليات على ذلك فقط، إذ يضيف: «فضلاً عن عدم توافر طائرة إلى العاصمة في أغلب الأحيان، فإن الحصول على المعالجة في العيادة العينية يتطلب حجز دور... يستغرق الانتظار حوالى أسبوعين، لذا يضطر المراجعون إلى قضاء فترة العلاج كاملة في الفنادق أو عند أحد الأقرباء».
تشير إحصائيات وزارة الصحة السورية إلى تدهور غير مسبوق في القطاع الطبي. ويقول مصدر من الوزارة لـ«الأخبار»: «لا تمارس الوزارة أي دور في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة. أما بقية المناطق، باستثناء العاصمة، فقد تراجعت كل الاختصاصات فيها، في مقابل اتساع مجال الطب الإسعافي. وتضطلع العاصمة بالدور الطبي الرئيسي بمختلف الاختصاصات».
يشرح المصدر أن مدينة حلب، مثلاً، انخفض فيها عدد الأطباء من «40 ألفاً إلى ألفي طبيب». ولا تمتلك وزارة الصحة معلومات مفصلة عن وضع كل منهم، إلا أنها تملك تقديرات حول ذلك، بحسب المصدر الذي يضيف أن «الغالبية سافرت إلى خارج البلاد. فشريحة الأطباء، التي كانت تعدّ إحدى الشرائح الميسورة، تعرضت لأخطار أكثر من غيرها، كالخطف والابتزاز، بينما بقي قسم آخر من الأطباء في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، وقسم قليل نزح باتجاه العاصمة».
ويشير المصدر إلى أن «قسماً مهماً من القطاع الطبي أصبح تحت الإشراف العسكري بسبب حساسيته وأهميته بالنسبة إلى العمل العسكري، فيما برز دور الهلال الأحمر والمنظمات الطبية الإغاثية على الساحة إلى جانب القطاع الصحي التقليدي الممثل بوزارة الصحة».

يمارس الحصار الاقتصادي دوراً
كارثياً حيال مسألة توفير التجهيزات


أما بالنسبة إلى الاختصاصات النادرة، فهي تعاني من نقص حاد في عدد الأطباء الاختصاصيين، «فاختصاص الغدد الصمّ على سبيل المثال لا يخدّمه سوى عدّة أطباء فقط في كل البلاد، بينما تشهد اختصاصات زراعة القلب والعناية القلبية والجراحات بكل أنواعها نقصاً حاداً في عدد الأطباء».
وفي الوقت ذاته، يمارس الحصار الاقتصادي دوراً كارثياً حيال مسألة توفير التجهيزات الطبية والأدوية والإكسسوارات الطبية (الأجزاء الصناعية التي تستخدم في بعض الجراحات). وفي هذا الصدد، يقول الاختصاصي في الجراحة العامة، إبراهيم حنّا، لـ«الأخبار»، «لم يجرِ استيراد تجهيزات طبية خلال السنوات السابقة لأي من الاختصاصات، ولكن المشكلة ليست هنا، إذ إن التجهيزات في المشافي كانت متوافرة مسبقاً، قبل الحرب. المشكلة هي في استيراد قطع الغيار وإصلاح تلك التجهيزات، الأمر الذي أخرج الكثير منها من الخدمة».
أما بشأن يسمى اصطلاحاً «الإكسسوارات»، فيلفت اختصاصي الجراحة العامة إلى أن «أسعارها تضاعفت بنحو غير مسبوق. فمثلاً، ارتفعت تكاليف عملية تركيب الشبكة القلبية من 300 ألف ليرة في بداية الأزمة إلى مليون ليرة (حوالى 5 آلاف دولار)، بسبب ارتفاع سعر الشبكة التي غالباً ما يؤمنها ذوو المريض من لبنان».
في المقابل، يبدو أن قطاع الأدوية أكثر ثباتاً من غيره، بحسب حنا الذي يعيد السبب في ذلك إلى «وجود صناعة أدوية متطورة وعريقة منذ عقود في البلاد، كانت قد جعلت من الأخيرة مصدّراً أساسياً للدواء على المستوى الإقليمي في السنوات السابقة».
ويعتبر حنا أن مشكلة قطاع الأدوية تنحصر في الأصناف التي لا تصنع محلياً، مثل أدوية أمراض السرطان الغالية الثمن، والتي يقول إن «الدولة كانت تؤمنها شبه مجاناً للمرضى في ما سبق. ولكنها توقفت عن ذلك بعد الحصار الاقتصادي، ليُفرض على المرضى أن يؤمنوها بأسعار خيالية من مهرّبي الأدوية، أو أن يستسلموا لشبح الموت».