286 ألف مستفيد من تعاونية موظفي الدولة بلا استشفاء


فاتن الحاج
لم تكن النقابية (الأستاذة في التعليم الثانوي) بهية البعلبكي تحسب أن تحيا إلى زمن تصبح فيه رقماً مرفوضاً من أصحاب المستشفيات أو رقماً مهملاً على دفاتر المسؤولين في حكومة الوحدة الوطنية... تروي البعلبكي كيف سقطت على درج دار المعلمين واصطدم جسدها ورأسها بأرض مدخله الإسمنتية، وهي تفكر بسؤال واحد: «اتصلوا لنعرف أي مستشفى ستستقبلني؟!». في تلك اللحظة اللبنانية السورياليّة بامتياز، كما تصفها، شعرت بعلبكي بأنّها بلا قيمة، مثل الكثيرين من الموظفين والمعلمين، هؤلاء الذين يتعرّضون الآن لأبشع حالات التعسّف من خلال حرمانهم التغطية الصحّية، فيما المسؤولون في الدولة غير مضطرين للبحث عن اسم مستشفى يستقبلهم إذا أصيبوا بعارض صحيّ ما. وتتمنى بعلبكي أن لا يكون الإهمال الحكومي والاستهتار بصحة الموظفين والمعلمين مردّه الضغط لإلغاء تعاونية الموظفين وتوحيد الصناديق.

كلفة مرتفعة

ليست هذه الحالة هي الوحيدة، فهناك العشرات ممن ينتسبون إلى تعاونية موظفي الدولة حاولوا الدخول إلى المستشفى أخيراً، ولم يتمكنوا أو اضطروا لأن يدفعوا مبالغ كبيرة لا تجب عليهم، على الرغم من حالتهم الطبية الحرجة، وقد سردوا قصصهم أمس في مؤتمر صحافي عقدته روابط الأساتذة والمعلمين والموظفين في القطاع العام. تحدث الأستاذ في التعليم الابتدائي وليد أرناؤوط عن تجربته، إذ حاول الدخول إلى مستشفى رزق لإجراء عملية جراحية، مراهناً على لائحة المستشفيات التي تستقبل المستفيدين من تعاونية موظفي الدولة فيخرج بعد ثلاثة أيام وقد دفع 1600 دولار أميركي!
أما الحالة التي يعانيها الأستاذ في التعليم الثانوي يوسف حريري فابتدأت بسرطان القولون قبل أن تتطور إلى سرطان تنتشر معالمه في الكبد. يقتضي الوضع الحالي علاجاً كيميائياً مرة كل أسبوعين. يُرهق حريري دفعُ فاتورة فارق الكلفة الذي يتجاوز 500 دولار للجلسة الواحدة. الدواء غير متوافر في المستشفيات. يتواصل منذ سنتين ونصف مع مستشفيات عدة لتوفيره. ويكون التنقل من جبل لبنان إلى بهمن والرسول الأعظم والساحل والراعي ودلاعة. كان هذا قبل الأزمة التي يطرحها أصحاب المستشفيات حالياً، «فكيف سيكون الوضع لو أنّ تعاونية موظفي الدولة تجاوبت مع رغباتهم ورفعت قيمة الفاتورة الاستشفائية لهذه المستشفيات؟ وماذا لو توقفت عن الخضوع لهذا العلاج؟»، يسأل حريري بحرقة، ثم يعلّق: «عندها أرتاح من رؤية وسماع الكثيرين وأسبقهم إلى حيث لا لقاء بيني وبينهم».
شهادات ثلاث تعكس معاناة المواطنين من جراء رفع الغطاء الصحي والاستشفائي منذ مطلع السنة الجارية عن حوالى 286 ألف منتسب ومستفيد من تعاونية موظفي الدولة، ويشمل قرار المستشفيات الخاصة المتعاقدة مع التعاونية كلاً من أساتذة التعليم الثانوي والمعلمين في التعليم الأساسي والمهني وموظفي القطاع العام والمتقاعدين المنتسبين إلى الفئات المستفيدة من التعاونية.
ويرى المنتسبون إلى التعاونية أنها إحدى المؤسسات الضامنة الأكثر كلفة على المعلمين والموظفين والمتقاعدين والأقل عطاءً. ويقول رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي حنا غريب: «منذ 5 سنوات ونحن ندفع 3 في المئة من أساس الراتب كاشتراكات على قاعدة أنّهم سيدفعون لنا الأكلاف الإضافية، إلّا أنّ ذلك لم يحصل». وفي المقابل ترفض المستشفيات تجديد العقود مع تعاونية موظفي الدولة إلا بعد زيادة أسعار التعرفات الطبية بحجّة غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار العالمية للأدوات الطبية والأدوية.

باب مقابل باب!

وحمّل غريب بعض أصحاب المستشفيات الخاصة مسؤولية الوضع الصحي الخطير الذي يمرّ به المستفيدون من تعاونية موظفي الدولة، «فلا الحكومة تتحرك وتعالج المشكلة ولا أصحاب المستشفيات يفتحون أبواب مستشفياتهم أمامنا». وحذّر الطرفين سلفاً «من أي اتفاق تكون فيه المعالجات والحلول على حسابنا، أي بتحميلنا مزيداً من الأعباء المادية، فنكون قد دفعنا الثمن مرتين في حالتي الخلاف والاتفاق». كذلك دعا الحكومة «إلى التحرك السريع وإيجاد الحلول المناسبة لهذه المشكلة على قاعدة الحفاظ على حقوقنا المكتسبة».
وقال: «حياة الناس لا تتوازن في تعديل التعرفة المادية، وإذا كان عندن أبواب مستشفيات نحنا عنا أبواب مدارس وثانويات نستطيع أن نقفلها».
وأعلن غريب استمرار تحرك الروابط بتنفيذ الإضراب الشامل، اليوم، في جميع الثانويات والمدارس الرسمية والمعاهد والمدارس المهنية والتقنية الرسمية وفي الإدارات العامة. ويتزامن الإضراب مع اعتصام مركزي، الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم أمام السرايا الحكومية، باعتبار أنّ الحكومة مسؤولة مباشرة عن تعاونية موظفي الدولة.

مستشفيات ممتنعة

وجددت الروابط تأكيدها على توصية الجمعيات العمومية بتنفيذ خطوات تصعيدية بما فيها الإضراب المفتوح والتظاهر في مهلة لا تتجاوز الأسبوعين والاستعداد الكامل لتنفيذ الإضراب الفوري عند أي طارئ.
وحتى اليوم، ووفقاً للوائح التي توزعها تعاونية موظفي الدولة، تبين أن عدد المستشفيات التي امتنعت عن استقبال مرضى التعاونية 34 مستشفى هي: جبل لبنان، الأرز، مركز بحنس الطبي، سان شارل، أبو جودة، هارون، العين والأذن، سان جورج، عجلتون، الحياة، بهمن، الساحل، الرسول الأعظم، البرج، مركز كليمنصو الطبي، التأهيل الطبي التخصصي، بيروت (نوفل)، سامي بيضون، فؤاد خوري، النسائي، غندور، النجدة الشعبية، النبطية الحكومي، الهيئة الصحية الإسلامية، راغب حرب، مرجعيون الحكومي، حاصبيا الحكومي، ميس الجبل، تل شيحا، دار الحكمة، البقاع، الريان، الميس، شتورة.



18 مستشفى

هو عدد المستشفيات التي تستقبل حالات غسيل الكلى، وهي: قلب يسوع، سيدة لبنان، سان لويس، الحايك، اللبناني الجعيتاوي، سانت تريز، سيدة مارتين، سرحال، المقاصد، الزهراء، حمود الراعي، الجبيلي، لبيب الطبي، اللبناني الفرنسي، دار الأمل الجامعي، خوري العام، رياق.


وزارة الصحة مسؤولة أيضاً