جسّ النبض الأميركي لدمشق متواصل، وسط انفتاح وتفاؤل حذرين. لقاءات الرئيس بشار الأسد ووفود الكونغرس أوحت بحلحلة مرتقبة، والحوار المباشر انطلق


دمشق ــ سعاد مكرم
شهد اليومان الماضيان حراكاً دبلوماسياً أميركياً ـــــ سورياً يعبّر عن اهتمام إدارة الرئيس باراك أوباما بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق. حراك توزّع على جبهتين: دعوة هي الأولى من نوعها منذ نحو عام للسفير السوري لدى واشنطن عماد مصطفى من قبل نائب وزيرة الخارجية الأميركية بالوكالة جيفري فيلتمان، ولقاء آخر طويل جمع الرئيس بشار الأسد مع رئيسي لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب، جون كيري وهاورد بريمان في دمشق.
وبدا أنّ الأجواء «غير المريحة» التي خلّفتها زيارة السيناتور بنيامين كاردن إلى دمشق، قبل أيام، لم تكن مشابهة لما تركتها زيارتا كيري وبريمان، اللذين طالبهما الأسد بضرورة الابتعاد عن «سياسة الإملاء التي ثبت عدم جدواها».
وكرّر الأسد موقفه من ضرورة عودة «العلاقات الثنائية بين البلدين على أساس الفهم الصحيح لقضايا المنطقة والمصالح المشتركة»، مشدداً على أن «الحوار هو الطريق الوحيد لمعرفة حقيقة المشاكل ووضع رؤية شاملة للحلول تستند إلى تاريخ المنطقة وحقوق شعوبها».
بدوره، شدّد كيري على «دور دمشق الفاعل في المنطقة»، وعلى «أهمية تطوير الحوار بين العاصمتين، في ظل النهج الجديد الذي تبتغيه الإدارة الأميركية الجديدة»، حسبما نقلت عنه وكالة الأنباء السورية «سانا».
ووصف كيري محادثاته مع الرئيس السوري بأنها كانت «إيجابية جداً وشاملة ومكثفة بشأن مسائل تهمّ البلدين»، معرباً عن اعتقاده بأن الرئيس أوباما وإدارته «سيبدآن بالانخراط في بحث كل الإمكانيات في المنطقة». وكشف عن استعداد القيادة السورية للمساعدة في تأليف حكومة وحدة فلسطينية «تكون مستعدة لاستئناف محادثات السلام مع إسرائيل».
وفي تصريح للصحافيين أعقب اجتماعه بالأسد، خاطب كيري السوريين بالقول «إذا فعلتم ذلك، فستكونون عندئذ قد خطوتم خطوة كبرى إلى الأمام، ليس فقط في التعامل مع مشاكل غزة، بل ستكونون أيضاً قد خطوتم خطوة كبرى إلى الأمام في ما يتعلق باستئناف المناقشات الخاصة بحل الدولتين. وأعتقد أن سوريا أبدت لي استعداداً للمساعدة في هذا الصدد».
وفي إطار التفاؤل نفسه، أعرب كيري عن اعتقاده «العميق للغاية بأن هذه لحظة مهمة للتغيير، ولحظة تحوّل محتمل، لا في العلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا فقط، بل في العلاقات في المنطقة كلها».
ولم يقتصر استعداد سوريا للمساعدة على الملف الفلسطيني، وفق السيناتور الأميركي نفسه، الذي أوضح أنّ «ما سمعته هو استعداد كبير للمشاركة في العراق. سمعت تعبيرات قوية بشأن الآمال المتعلّقة بلبنان واحتمالات توفير الاستقرار». وختم حديثه بالإعراب عن توقّعه «أن تبدأ الأمور في الأيام المقبلة بالظهور لتتيح بدء الإشارة إلى هذا النوع من الإمكانية المختلفة».
كلام كيري المتفائل عكسته مصادر سورية مطّلعة على أجواء الاجتماعات، كشفت لـ«الأخبار» عن أن المسؤول الأميركي «أبدى تفهّماً لوجهة النظر السورية، حتى عندما دافع الأسد عن خيار بلاده دعم قوى المقاومة في المنطقة». ونفت المصادر أن تكون الوفود الأميركية الأربعة، التي عرّجت على العاصمة السورية، قد حملت مطالب معينة إلى دمشق.
وفي جلسة عقدها مع عدد قليل من الإعلاميين في مقر السفارة الأميركية في دمشق، وصف كيري موضوع نزع سلاح حزب الله بأنه «أمر معقّد»، واضعاً أمله في أن «تسير الأمور سيراً جيداً في الانتخابات اللبنانية. فهناك فرصة لتحسّن الوضع في هذا المنحى». ورغم اعترافه بوجود خلافات بشأن بعض المواضيع التي ناقشها في دمشق، إلا أنه أكد وجود احتمال «للتعاون الفوري».
وسبق استقبال الأسد لوفدي الكونغرس استدعاء فيلتمان لمصطفى، لإجراء «محادثات بشأن القضايا الخلافية بين البلدين وسُبل تطوير العلاقات بينهما»، على خلفية أنباء إعلامية عن عثور الوكالة الدولية للطاقة الذرية على آثار يورانيوم جديدة في موقع الكبر في دير الزور.
وفور انتشار الخبر، صحّح السفير السوري صيغته، مكذّباً «ما سوّقته الفضائيات بشأن استدعائي على أثر معلومات وكالة الطاقة الذرية»، على حدّ ما نقلته عنه صحيفة «تشرين» الحكومية.
وبالفعل، اعترف مصدر إعلامي في السفارة الأميركية لدى دمشق، في اتصال مع «الأخبار»، أن فيلتمان طلب مقابلة مع السفير مصطفى بعد عودته من دمشق، تطبيقاً لتعليمات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بأنّ «العلاقة المباشرة مع سوريا تعزّز المصالح الأميركية»، رغم تشديدها على وجود «خلافات أساسية بين الحكومتين، مثل دعم الجماعات والشبكات الإرهابية وحيازة أسلحة نووية وغير تقليدية والتدخل في لبنان وتردّي أوضاع حقوق الإنسان في سوريا».
في هذه الأثناء، وزّعت أمانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية مذكّرة على الدول الأعضاء، أعربت فيها عن أسفها إزاء «أي سوء فهم كان قد نجم عن التقارير التي نشرت في وسائل إعلام ادّعت وجود جزيئات الغرافيت في موقع دير الزور». وجزمت الوكالة في مذكرتها بعدم وجود أي «دليل لديها على وجود الغرافيت في الموقع المذكور».