القاهرة | «الشرطة في خدمة النظام»، مقولة تلخص أوضاع الشرطة المصرية في أربعة أعوام دافعت فيها عن أنظمة مختلفة، لأن انحيازها بقي دائماً إلى النظام وليس إلى الشعب، فيما يطالب قادته باستخدام أقسى الطرق لفض التظاهرات، السلمية وغيرها.

وعندما بدأت المعارضة المصرية الجادة بالتبلور، على يد «الجبهة المصرية من أجل التغيير» (كفاية) عام 2004، للمطالبة بمنع ترشح حسني مبارك لولاية رئاسية جديدة في انتخابات 2005، كان جهاز الشرطة قد أصبح في عز قوته، بعد مراجعات القيادات الجهادية وتوقف العمليات المسلحة بصورة ملحوظة.

وبالتوازي، ظلت قوة الشرطة في الحشد والتسليح ذاهبة نحو التصاعد على مدار السنوات اللاحقة، وأظهرت في ثورة 25 يناير 2011 أنها الذراع الأقوى في الدولة، ليس لنفوذ وسيطرة وزير داخليتها الأسبق، اللواء حبيب العادلي، فحسب، بل لفرض السيطرة بالقوة، والقبض على المعارضين واعتقالهم، وتلفيق التهم لهم، وهي الثقافة التي انهارت مع الثورة في نحو 72 ساعة.
وسجل في تلك الأيام أن الضباط والجنود فرّوا هاربين، بل بعضهم خلعوا ملابسهم الرسمية وآخرون تركوا منازلهم خوفاً من ملاحقة المنتقمين منهم لما ارتكبوه من أخطاء، فظلت الشوارع المصرية بلا جهاز للشرطة لأكثر من شهرين، قبل أن يعود إلى العمل على استحياء إلى جوار قوات الجيش التي فرضت النظام في المحافظات.

لا يبدو أي أثر لرؤية جدية لدى وزارة الداخلية في تغيير سياستها

على مدار ولاية خمسة وزراء تناوبوا على الوزارة منذ انهيار الشرطة، في عهد المجلس العسكري ومحمد مرسي وعدلي منصور ثم عبد الفتاح السيسي، لا تزال إعادة هيكلة الجهاز الشرطي غامضة رغم وعد التغيير في ثقافة التعامل الأمني مع المواطنين. وإن كان موقف الشرطة، طوال الأحداث والأنظمة المتعاقبة، مؤيداً للنظام، فإنه في عهد جماعة الإخوان المسلمين لم يكن مؤيداً بسبب ما أشيع عن مضايقات تعرضوا لها على أيدي محبوسين سابقين تصدروا المشهد السياسي خلال حكم الإخوان.
أيضاً، فإن سياسة الكيل بمكيالين في التفرقة بين المتظاهرين التي تتبعها الشرطة مستمرة، فهي تحمي وتدعم المدافعين عن النظام، فيما تفض بالقوة المعارضين، رغم أن قانون حظر التظاهر يشمل الطرفين.
وعملياً، فإعادة هيكلة «الداخلية»، التي تبناها الوزراء الخمسة، لم تؤدّ سوى إلى إقالة معظم قيادات الوزارة التي اشتهرت بالفساد وسوء استخدام السلطة، ولكن سرعة الترقيات فيها وزيادة أعداد المقبولين في كلية الشرطة إلى الضعف، أمران لم يحسّنا وضع الشرطة في ظل سيطرة وجوه قديمة عملت في الصف الثاني لحبيب العادلي، ومن أبرزهم المتحدث الرسمي باسم «الداخلية»، اللواء هاني عبد اللطيف.
حتى تصريحات وزير الداخلية، محمد إبراهيم، في حكومة كمال الجنزوري، عن إعداد ملف باحتياجات إعادة الهيكلة ذهبت مع خروجه من السلطة بعد وصول الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى الحكم، ثم جاء استحداث منصب مساعد وزير الداخلية لشؤون حقوق الإنسان ليبقى إجراءً بروتكولياً مرتبطاً بإرضاء الرأي العام والرافضين لسياسات الوزارة في ظل بقاء هذه الاستحداث الجديد من دون أي خطوات جدية منذ إنشائه قبل أكثر من 18 شهراً.
ومع الأحداث التي جرت في الذكرى الرابعة للثورة، منذ السبت الماضي حتى أمس، لا يبدو أي أثر لرؤية واضحة أو جدية لدى الوزارة في تغيير سياستها مع التظاهرات، ورغم تواتر تصريحات الحكومة بالبحث عن قاتل عضو حزب التحالف الشعبي، شيماء الصباغ، التي قتلت بطلقة «خرطوش» في رأسها، فإن اعتذار الداخلية في حال إدانة أحد المجندين بإطلاق الرصاص لا تعبر سوى عن استجابة لضغوط القوى الثورية، وخاصة أن 23 شخصاً احتجزوا في قسم الشرطة بتهمة المثلية الجنسية، أعلنوا أخيراً أنهم تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب والإهانة، ثم ظهرت براءتهم من دون أن يخرج اعتذار من الوزارة.
أما الوزير الحالي، محمد إبراهيم، المستمر في المنصب منذ عهد مرسي، فتصريحاته لا تزال مرتبطة برد فعل الشارع، وخاصة أن المطالب بإقالته تتجدد بين حين وآخر، وهكذا تمر جميع الجرائم التي ترتكبها الشرطة من دون محاسبة سياسية أو جنائية، الأمر الذي زاد العنف المفرط في التعامل مع المحتجين، حتى وإن لم يكن هناك قرار رسمي من القيادات.
ويعقب مساعد وزير الداخلية الأسبق، اللواء محمد نور الدين، على أسلوب وزارة الداخلية، مؤكداً أنها لا تستخدم العنف المفرط، بل «يوجد عناصر مندسة من الإخوان»، ومستدلاً في الوقت نفسه بسقوط عشرات الضباط والجنود. وأضاف نور الدين لـ«الأخبار»: «تسليح قوات الشرطة في التظاهرات مرتبط بقانون يحدد نوعية التسليح ويدرج في السجلات الرسمية قبل تحرك القوات إلى أماكنها... عقيدة الشرطة ثابتة في الدفاع عن الشعب، وقد استعدنا الأمن ومنعنا جرائم السرقة والسطو المسلح».