تكررت خلال الأيام الأخيرة عمليات الانشقاق «الجهادي» في صفوف تنظيم «الدولة الإسلاميّة». وبات من المؤكد أن الأمر لم يعد مقتصراً على حالات فرديّة، بل تعداها ليتحوّل إلى ظاهرة آخذة في الصعود. أسباب الانشقاقات متعددة، من بينها ضعف الهيمنة الأمنية للتنظيم في بعض المناطق، والهزائم الأخيرة التي لحقت به في دير الزور، وعين العرب. فضلاً عن ضعف «الثقل الرمزي» من جرّاء غياب أبرز قيادات «الصف الأول» عن الواجهة لـ«أسباب أمنيّة».


ورغم أن الأنباء التي تتالت في الأيام الأخيرة حول حجم الانشقاقات تحملُ قدراً من المبالغة، غيرَ أنّها ليست مبالغة كبيرة. الثابتُ وفقاً لمعلومات متقاطعة حصلت عليها «الأخبار» أنّ العدد الأقرب إلى الدقّة لحالات الانشقاقات التي وقعت خلال الأيام الثلاثة الماضية هو 45 «مهاجراً»، من بينهم ثلاثة يُعتبرون من «قيادات الصف الثالث». علاوةً على ما يزيدُ على 100 من «الأنصار» (سوريي الجنسيّة). أبو طلحة الكويتي «مسؤول الحسبة في ولاية الرقة» كان أبرز الأسماء المنشقّة المتداولة، وتحدثت مصادر مناوئة للتنظيم عن انشقاق ثمانية آخرين من «عناصر الحسبة» في المدينة نفسها، الأمر الذي دفع «داعش» إلى فرض إجراءات أمنية مشدّدة، مثل فرض حظر للتجوال في الرقة، إضافة إلى نصب حواجز ونقاط تفتيش في جميع أنحاء المدينة. كذلك أكّد ناشطون محليّون انشقاق «أمير داعش العام ‏في حقل العمر النفطي» (ريف دير الزور الشرقي)، فضلاً عن انشقاق «شرعي التنظيم في تل أبيض» المعروف باسم أبو علي الحربي.

إلى أين يذهب «المنشقّون»؟

رغم محاولات «داعش» المستميتة في احتواء «الانفلات» الذي وجد نفسه في مهبّه، فالمرجّح أن تتواصل الانشقاقات بوتيرة متسارعة. وسيكون أمام المنشقين خياران أساسيّان، أوّلهما التوجّه إلى الأراضي التركيّة التي تشكل ملاذاً آمناً لبعض الوقت (وهو ما تكرر خلال الأيام الماضية)، وثانيهما، الهروب إلى أراضٍ سوريّة خارج سلطة التنظيم. ثمة مؤشرات توحي بأنّ عدداً من المنشقّين قد يحاولُ الانسحاب من الساحة السورية نهائياً، وهؤلاء في الغالب الأعم من «الجهاديين» الجدد. في الوقت نفسه، يُرجّح أن تختار النسبة الأكبر من هؤلاء مواصلة «الجهاد» في صفوف مجموعات وتنظيمات أخرى. وليس بالضرورة أن يعني توجه البعض إلى تركيّا خروج هؤلاء من «ساحة الجهاد الشامية» نهائياً. معاودة دخول سوريا ليست بالأمر الصعب، ويمكن عبور الحدود ببساطة نحو الشمال (حلب وإدلب وريفهما، وريف اللاذقية الشمالي) حيث تسيطر مجموعات أخرى سوى «داعش»، في ما يمكن تسميته «إعادة تدوير المجاهدين». وفيما أحجمت مصادر التنظيم، وتلك «المبايعة» والمقرّبة، عن الإدلاء بأي تفصيل في هذا السياق، أكّد مصدر «جهادي» محسوب على «جبهة النصرة» لـ«الأخبار» أنّ «عشرات الإخوة من المهاجرين الراغبين بالانشقاق عن داعش ينتظرون الفرصة المناسبة، هناك عمليات تواصل بينهم وبين الجبهة باستخدام وسائل مُعقّدة بسبب التضييق الذي يمارسه عليهم زبانية البغدادي». المصدر توقّع أن «نسمع أخباراً طيّبة قريباً، حجم الانشقاقات سيتزايد بشكل سريع. كذلك سنكون على موعد مع مفاجأة مدوّية تتمثّل بانشقاق مجاهدَين بارزين (اثنين) على الأقل». وإذ رفض المصدر تقديم إيضاحات إضافيّة، أكّد أنّه «ليس المهم فقط أن ينضم المنشقون إلى الجبهة، الأهمية الأكبر تتجلّى في أن الله قد كشف لإخوتنا حقيقة الخدعة التي تعرضوا لها...».

«النزف الجهادي»
الذي يعاني منه «داعش» لم يقتصر على الانشقاقات
وخلافاً لما قد يتبادر إلى الأذهان، لا تبدو «جبهة النصرة» الأوفر حظّاً في استقطاب المنشقّين. تبرز في هذا السّياق «جبهة أنصار الدين»، وعلى وجه الخصوص «جيش المهاجرين والأنصار» الذي يُعتبر عماداً لها، ويتزعمهما معاً صلاح الدين الشيشاني. كذلك تحظى «حركة أحرار الشام» بحظوظ وافرة في الاستقطاب، بعد أن تصدرت أخيراً «واجهة الانتصارات» في عدد من الجبهات. وتجدر الإشارة إلى أن «الحركة» قد استعادت توازنها بعد تصفية قيادتها السابقة، وعادت إلى المشهد بزخم أكبر، وبدعم تركي كبير.
مصادر مواكبة للمشهد «الجهادي» في الرقة ودير الزور أكّدت لـ«الأخبار» أنّ «عدداً من الألوية والكتائب التي سبق لها أن بايعت «داعش» حسمت أمرها أخيراً، ومن المتوقع أن تتوالى أنباء انشقاقاتها، بعضها بالكامل وبعضها جزئياً». ووفقاً للمصادر، فإنّ «الأمر متوقف على حجر الدومينو الأوّل، قبل أن يلحق الآخرون به».

تصفيات واعتقالات «احترازيّة»

«النزف الجهادي» الذي يعاني منه «داعش» لم يقتصر على الانشقاقات فحسب، بل تعدّاها إلى حدوث عشرات الاغتيالات معظمها تم تدبيره من قبل الأجنحة الأمنية للتنظيم، إثرَ وشايات وتقارير تفيد باعتزام الضحايا الانشقاق. أحدث المعلومات المتداولة في هذا السياق تفيد عن قيام التنظيم أمس بإعدام 60 «مهاجراً» كانوا قد انشقوا عنه وانطلقوا نحو الحدود التركية عبر مدينة تل أبيض، وفقاً لمصادر «جهاديّة» وإعلاميّة. المصادر تحدثت أيضاً عن «اغتيال أربعة من الأنصار في حي رميلة بالرقة، وتصفية عائلتين من الجنسية التونسية في حي الادخار». مصدر من سكان الرقة أكّد لـ«الأخبار» أن «عناصر داعش راحوا يتصرّفون بجنون خلال الأيام الأخيرة، وقد شُنّت حملات اعتقال واسعة النطاق طاولت عناصر التنظيم، من بينهم قياديون». وبالتوازي، شّنت الفرق الأمنيّة التابعة للتنظيم حملات دهم واعتقالات واسعة في مختلف مناطق سيطرته طاولت «خلايا نائمة» وفقَ المُعلن عنه. وعلى صعيد متصل، استهدفت مجموعة تابعة لـ«صقور الميادين» أمس سيارةً تابعة لـ«داعش» في منطقة الخور (مدينة الميادين، ريف دير الزور الشرقيّ)، ما أدى إلى مقتل 11 عنصراً. ووفقاً لناشطين وتنسيقيّات «كان أبرز القتلى أبو طلحة التونسي قائد حاجز الشولا».