منذ ربيع 2011، يعيش اليمن على «أنبوب أوكسيجين» اسمه المبادرة الخليجية. الاتفاق الذي وقع في الرياض في تشرين الثاني من العام نفسه، حلّ، إلى حدٍّ بعيد، مكان دستور البلاد، ويمكن القول إن موقعيه، من سفراء دول الخليج (ما عدا قطر) ودول مجلس الأمن، الذين يسمون «رعاة المبادرة الخليجية»، أصبحوا الحكام الفعليين لليمن طيلة السنوات الأربع الماضية.


غير أن شهر أيلول الماضي، فرض تطورات قلبت الوضع الداخلي بصورة جذرية، فارضةً معادلات جديدة، صعدت على أثرها مكونات يمنية وانحدرت أخرى. هذه المرحلة يمكن تسميتها مرحلة اتفاق «السلم والشراكة»، الذي نعى المبادرة الخليجية، وأعلن عدم صلاحيتها بعد اليوم.

فشل المبادرة الخليجية أوصل
إلى إبرام اتفاق «السلم والشراكة»

رسمت المبادرة شكل اليمن بعد انتفاضة عام 2011. حدّدت مراحل العملية الانتقالية بدءاً من استقالة علي عبدالله صالح، وتولي نائبه عبد ربه منصور هادي الرئاسة لفترةٍ انتقالية (الذي أصبح أداة مطواعةً بيد الإدارة السعودية)، ثم تكليف المعارضة تأليف حكومة «وفاق وطني»، وصولاً إلى صياغة الدستور الجديد ثم إجراء انتخابات تشريعية. ومنحت الحصانة للرئيس علي عبدالله صالح، وهو ما رفضته قوى معارضة، وكان أحد الاسباب الرئيسية لامتناع قطر عن الانخراط في المبادرة، في عز احتدام الصراع بين السعودية وقطر، على النفوذ في دول «الربيع».
هذا في الشكل، ولكن ما الذي قامت به المبادرة عملياً طيلة سنوات فعاليتها، حتى موعد استطاع فيه الحوثيون إفراغها من مضمونها وقيمتها، عبر اتفاق «السلم والشراكة»؟
أرست المبادرة الخليجية شكل انتقال السلطة على أساس تقاسمها بين طرفين فقط، هما حزب «المؤتمر الشعبي العام»، حزب علي عبدالله صالح، وتكتل «اللقاء المشترك» الذي يضم عدداً من الأحزاب، على رأسها «التجمع اليمني للاصلاح» (الإخوان)، القوة المعارضة الأبرز حينها. وهي بذلك، همّشت القوى اليمنية الباقية، وفي مقدمتها جماعة «أنصار الله» و«الحراك الجنوبي».
وعلى مستوى ثانٍ، أرادت المبادرة تأبيد وصاية السعودية ومن خلفها الغرب على اليمن، بواسطة إدراجها سلسلة من الاستحقاقات، حدّدت ماهيتها في ظلّ سيطرتها على أركان الدولة ومؤسساتها. غير أن المبادرة التي نصّت على تنفيذ هذه النقاط خلال فترة زمنية محددة، طال زمن حكمها، من دون أن تحقق سوى القليل منها، ما رهن اليمن بسطوة مجلس التعاون الخليجي والغرب، من دون تغييرات تذكر.
فشل المبادرة، أوصل اليمن إلى ما شهده في 21 من أيلول الماضي. يومها، أبرم اتفاق «السلم والشراكة» الذي وقّعته المكونات اليمنية كلها، بمن فيهم من وقّع المبادرة ومن لم يوقّعها، ما يعني أن الاتفاق ثار على المبادرة لناحية إشراك كل القوى اليمنية في السلطة، التي انتزعها من طرفين، يعكسان مباشرةً النفوذين السعودي والقطري في البلاد.
وإذا ما مضينا في المقارنة بين المذكرتين، فإنه يمكن ببساطة استنتاج أن أهم الفروق بينهما هو أن المبادرة، جاءت بإرادة خارجية وظّفت لمصلحة طرفين داخليين فقط («المؤتمر» و«المشترك»)، فيما جاء «الشراكة» نتيجة حدثٍ داخلي صرف، وهو انتفاضة الحوثيين في العاصمة ثم إسقاط الحكومة، ما عكس إرادةً داخلية، وخصوصاً أن أهم مدرجات الاتفاق ركزت على دمج المكونات المهمشة كالجماعة و«الحراك الجنوبي» في الحكم. ونصّ الاتفاق على أن تعكس الحكومة تطلعات جميع أبناء الشعب، وهو ما ينقض جوهر المبادرة الخليجية.
من هنا، يمكن فهم دوافع رفض «رعاة المبادرة الخليجية» للواقع الذي أرساه الحوثيون في اليمن، ثم تحميلهم، في بيانهم الأخير، مسؤولية الفراغ في البلاد. علماً أن معطيات كثيرة تشير إلى أن استقالة الرئيس والحكومة التي جاءت عقب موافقة هادي على مطالب الحوثيين الأخيرة، وأولها وضع آليات لتنفيذ اتفاق «الشراكة» وتعديل مسودة الأقاليم الستّة، جاءت في إطار تأكيد سعودي ـ أميركي، على «الخطوط الحمر» التي لا أحد يمكنه في اليمن أن يتخطاها بحسب رؤيتهم. بمعنى آخر، تنكر هذه القوى على اليمنيين حقهم في السيادة، وهي تؤكد نيتها في مواصلة الوصاية على هذا البلد وثرواته.