عدن | زاد تأزم الأوضاع في العاصمة اليمنية صنعاء من عزيمة جنوب البلاد، لاستعادة دولته السابقة التي انهارت عام 1990. يوماً بعد يوم تبدو ملامح الدولة الجنوبية التي ينشدها الجنوبيون أكثر وضوحاً على الأرض كأمر واقع، بصرف النظر عن الدعم الخارجي الذي يرى البعض أنه موجود، وخصوصاً من قوى إقليمية، فيما يقول آخرون إنه خجول.

لم يتوقف الجنوب منذ انتهاء الحرب التي اطاحت مشروع الوحدة في صيف عام 1994، عن المطالبة باستقلاله عن الشمال، الذي انتصر آنذاك، على حساب إقصاء الجنوب عن العملية السياسية في صنعاء. وعبّر الجنوب عن هذه المطالب عبر ثورته السلمية المعروفة بـ «الحراك الجنوبي»، وزاد من وتيرة هذه المطالب تردّي الأوضاع في صنعاء أخيراً، ثم انهيار شبه كامل للعملية السياسية هناك.

منذ الأحداث الأخيرة التي شهدتها صنعاء، واستقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي والحكومة، بدأ الجنوب يلوّح بالانفصال، وبالفعل بدأت تظهر، في عدن وبعض المدن الأخرى، مشاهد للدولة الجنوبية القائمة. فجميع المرافق أصبحت تدار بإدارة محلية في عدن والمكلا وباقي محافظات الجنوب، بمعزلٍ عن مركز القرار في صنعاء. وأصبح المطار الدولي في عدن تحت تصرّف السلطات المحلية في المدينة، إلى درجة أن هذه السلطات أصبحت تتحكم في إغلاقه وبحركة الطيران الداخلي والخارجي، برغم تعقيد عملية الادارة وارتباطها الفني بصنعاء.

فصلت قوى جنوبية المرافق الحكومية عن المركز في صنعاء

ميناء المدينة المهم، المنطقة الحرة والاستثمارية فيها التي يديرها منذ قرابة عامين كوادر جنوبية أضحت هي الأخرى خارج سيطرة العاصمة صنعاء، ساعدها على ذلك كما ساعد باقي المرافق الحيوية الأخرى أنها تمتلك قاعدة بيانات وخبرات كبيرة من دولة الجنوب السابقة، فضلاً عن مستوى الإدارة العالية الخبرات والكفاءات التي يمتع بها الكادر في هذه المدينة، كما بدأت السلطات المحلية وإدارة الميناء التفاوض مع شركات تشغيلية عالمية، بعد انسحاب شركة موانئ دبي قبل عام ونصف عام، ما يعني أن السلطات المحلية تتصرف على قاعدة أنها دولة قائمة ذات سيادة.
قيادات شركة النفط والغاز بفرعيها في عدن وحضرموت، ولتأكيد تصرفها وتحكمها في شؤون هذه المادة الحيوية، أعلنت قبل يومين أن لا شيء يدعو المواطنين في عدن وحضرموت والمحافظات المجاورة التي تديرها إلى القلق من أي أزمة وقود. يطمئن هذه الشركة وجود مصفاة تكرير النفط الشهيرة في عدن (مصافي عدن) التي تسيّر أمورها على نحو طبيعي برغم اختناقات الوقود الذي تعانيه بعض المحافظات بعد أسبوع من إعلام قبائل محافظة شبوة الجنوبية توقف ضخ النفط تضامناً مع الرئيس المستقيل، بحسب بيان القبائل.
في باقي المرافق المهمة الأخرى في عدن والمكلا، كبرى مدن محافظة حضرموت الجنوبية الغنية بالثروات، تسير الأمور قدماً على المنوال نفسه، لتثبيت دعائم دولة مستقلة. المصارف الحكومية والخاصة، أصبحت تمتلك، منذ شهرين تقريباً وافراً مالياً واستثمارياً، فضلاً عن استقلالية رواتب موظفي الدولة إلى حد كبير برغم بقاء موارد كثيرة تذهب الى صنعاء، وغيرها من المعاملات البنكية الأخرى. أما نشاط الجامعات والمدارس، فهو يسير أيضاً بإدارة محلّية صرفة، على الأقل في المراحل الأساسية والثانوية.
وفي السياق نفسه الذي ينبئ بأن ثمة دولة تنصب أركانها أيضاً على الصعيدين السياسي والأمني. حيث تبدو بوضوح جنوباً، حركة دؤوبة لنشاط اللجان الشعبية الأمنية (التابعة للرئيس هادي) في عاصمة الجنوب عدن، وفي المكلا حيث أصبح لها اليد الطولى في إدارة الأمن. فهي تجوب الشوارع والطرقات متسلّحة بأسلحة خفيفة ومتوسطة، بعدما سيطرت على المقرّ الرئيس لإدارة أمن المدينة وضواحيها. يأتي ذلك، بالتزامن مع غياب شبه كامل للوحدات الأمنية والعسكرية الرسمية. ومما يدل على أن الجانب الأمني بأيادٍ جنوبية فقط وفي إشارة لولاء الجهات الأمنية وحتى العسكرية للرغبة الجنوبية التحررية، فقد شوهدت بكثافة أعلام الجنوب فوق سطوح مقار الأمن والمرافق الحكومية، وبعض معسكرات الجيش، وآخرها اللواء 201 ميكا في منطقة ردفان محافظة لحج (شمال عدن) بأيدي أنصار «الحراك الجنوبي».
على الصعيد السياسي، وفي خطوة تصبّ بالاتجاه نفسه، اُعلن يوم الأحد الماضي في عدن، قيام فصائل «الحراك الجنوبي» بتشكيل هيئة وطنية جنوبية عريضة، وانتخبت رئيس حزب «رابطة أبناء الجنوب»، عبدالرحمن الجفري، رئيسا لهاً، وبعضوية عدد من رموز باقي المكونات المنضوية في هذه الهيئة لتتولى التنسيق لإدارة المرحلة السياسية المقبلة في الجنوب.