بعد يومين على لقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما في الرياض، وبعد 6 أيام على وفاة أخيه (غير الشقيق) الملك عبدالله، خرج الملك الجديد، سلمان بن عبد العزيز، ليصدر 30 أمراً ملكياً دفعة واحدة، في رسالة يُفهم من مغزاها أنها «إعادة هيكلة» شاملة للمملكة. أوامر رأى فيها بعض المختصين في الشأن السعودي أنها «مجزرة سياسيّة». بعض هذه القرارات أظهر نية سلمان، وبشكل واضح، إقصاء أي أثر لأخيه الراحل عبدالله، رغم أن قبر الأخير لا يزال رطباً.


فعلى طريقة الأحكام السلطانية، مرّة أخرى، أعاد سلمان تشكيل الحكومة، مبقياً على متعب بن عبدالله وسعود الفيصل في منصبيهما. وقرر إلغاء 12 مجلساً وهيئة، كانت تُعنى بالمجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، واستبدالها بمجلسين فقط يرتبطان بمجلس الوزراء (الذي يرأسه الملك حكماً). الأول هو «مجلس الشؤون السياسية والأمنية» والثاني هو «مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية». يرأس المجلس الأول، بحسب القرار الملكي، وليّ وليّ العهد ووزير الداخلية محمد بن نايف بن عبد العزيز (وهو النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء حكماً). أما المجلس الثاني فيرأسه نجل الملك، وزير الدفاع محمد بن سلمان. يمكن القول إن بن نايف وبن سلمان، وهما من جيل الأحفاد، يُراد لهما إدارة البلاد مستقبلاً، والإمساك بالكثير من زمام أمورها حاضراً، خاصة محمد بن نايف الذي يُقال إنه قريب من الإدارة الأميركية، والذي يصفه الإعلام الأميركي بالرجل الأول سعودياً في «مكافحة الإرهاب». أما محمد بن سلمان، فليس مفهوماً، من الناحية الإدارية (علمياً)، كيف يكون وزيراً للدفاع ثم يعيّن في الوقت نفسه رئيساً لمجلس اقتصادي! هذه مسألة أثارت سخرية بعض المتابعين السعوديين.

أعفى الملك خالد بن بندر من رئاسة الاستخبارات وبندر بن سلطان من رئاسة مجلس الأمن الوطني

إلى ذلك، قرر سلمان في أمر ملكي منفصل إعفاء مشعل بن عبدالله من إمارة منطقة مكة المكرمة، كذلك أعفى تركي بن عبدالله من إمارة منطقة الرياض، فعيّن مكان الأول خالد بن فيصل أميراً لمنطقة مكة ـ برتبة وزير (كان سابقاً في إمارة مكة وأعاده الآن)، كما عيّن فيصل بن بندر أميراً لمنطقة الرياض ـ برتبة وزير. يُذكر أن الوزارة ـ الإمارة في كل من مكة والرياض تعتبر بمثابة «وزارة سيادية» وذات وزن مهم تاريخياً.
من بين القرارات اللافتة أيضاً، الأمر الملكي القاضي بإعفاء بندر بن سلطان (رئيس الاستخبارات السابق) من منصبه الأخير، وهو أمين عام مجلس الأمن الوطني. أكثر من ذلك، كان بندر قد عيّنه الملك عبدالله الراحل مستشاراً ومبعوثاً خاصاً للملك، فأعفاه سلمان في أمره من هذا المنصب أيضاً. بالتزامن مع إعفاء بندر، قرر سلمان إلغاء ما يُعرف بمجلس الأمن الوطني من أصله. وفي أمر ملكي آخر، لا يخلو من استهجان، أعفى الملك خالد بن بندر من منصب رئيس الاستخبارات السعودية العامة، وعيّن الفريق خالد بن علي بن عبدالله الحميدان مكانه ـ برتبة وزير. يُذكر أنه ليس مألوفاً أن يتسلم هذا المركز، الحساس جداً في السياسة السعودية، أحد من خارج العائلة الحاكمة. سابقاً، عندما أعفي بندر من سلطان من منصب رئيس الاستخبارات، كلّف يوسف الإدريسي هذه المهمة مؤقتاً، ولكنه لم يعيّن في هذا المنصب بشكل دائم ورسمي. أما اليوم فيأتي سلمان بشخص من خارج العائلة، وهذا، بالتالي، ما عدّه بعض المتابعين «من ضمن الاتفاقيات الدائرة بين السعودية والولايات المتحدة».
لم يفت سلمان أن يعيّن ابنه، عبد العزيز، نائباً لوزير البترول والثروة المعدنية ـ برتبة وزير. يُشار إلى أن من بين الهيئات القليلة التي لم تلغ من أصلها، الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، فأبقي عليها، لكن مع إعفاء رئيسها محمد بن عبدالله الشريف واستبداله بخالد بن محمد المحيسن.
على كل حال، ثمّة إعفاء آخر على جانب كبير من الأهمية، يتعلق بما يُعرف بـ«هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». هذه الهيئة التي ذاع صيت العاملين فيها عالمياً، على مدى عقود، تحت اسم «المطاوعة». الصيت سيّئ حتماً ولا جدال في ذلك. سلمان يعرف ذلك وقبله أوباما الذي غادر السعودية قبل يومين، بعد غداء دسم شمل 12 صنفاً ممّا لذّ وطاب. الأمر الملكي هنا نصّ على إعفاء عبد اللطيف آل الشيخ (أحد أحفاد محمد بن عبد الوهاب) من رئاسة الهيئة المذكورة، وتعيين عبد الرحمن بن محمد السند مكانه.
كثيرة هي الأوامر الملكية الصادرة، ليل أمس، وكثير منها يتعلق بالشكليات والمراسم الملكية والاستشارية داخل قصور العائلة الحاكمة، بينها تعيين عادل الطريفي، المدير العام الحالي في قناة «العربية»، وزيراً للإعلام. إلا أن سلمان لم يفته أن يأمر، رسمياً، بصرف راتبين للموظفين في السعودية. إنها سياسة «العصا والجزرة» بشكل متطور، كما علّق أحد السعوديين عقب صدور القرار. كذلك أصدر سلمان أمراً بالعفو العام عن السجناء «بما يتعلق بالحق العام».
هكذا، تدخل المملكة السعودية مرحلة جديدة، بعضها كان متوقعاً وبعضها ليس كذلك. هل ستمر أوامر سلمان، داخل العائلة السعودية، بشكل طبيعي، أم أنه سينتج منها ردود فعل؟ الأيام المقبلة، أو الشهور، كفيلة بإظهار ذلك.
(الأخبار)