يبقى سؤال المستحيل في إسرائيل: من سيكون ملك عام 2009؟ إيهود باراك المفلس، أم تسيبي ليفني التقليدية، أم بنيامين نتنياهو البازغ نجمه من قلب المصائب؟


حيفا ــ فراس خطيب
كان 2008 عام الصراعات بامتياز بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، الذي بدت نهايته السياسية واضحة منذ مطلع السنة. صدر التقرير النهائي لـ«فينوغراد» في 30 كانون الثاني، ومنذ ذلك التاريخ، استغل رئيس الحكومة ضعف أحزاب الائتلاف الحكومي، وصمد ثلاثة أشهر.
لكنّ «صمود» أولمرت لم يطل، إذ أتته الضربة القاضية من فساد رشوة ربطت اسمه برجل الأعمال الأميركي موشيه تالينسكي. فضيحة أدّت إلى وصول شعبيته إلى حضيض غير مسبوق. حقيقة لخّصها المراقبون بمعادلة: «مات في حرب لبنان، ودفن في قضايا الفساد».
ولم تكن مصيبة وزير دفاعه إيهود باراك أقل نقمة. فجماهيرية حزب «العمل» لا تسمح له بالانسحاب من حكومة أولمرت وخوض انتخابات مبكرة. وفي الوقت نفسه، لم يكن باراك قادراً على الوقوف بجانب «صديق السوء» أكثر. كان عليه أن يقرر: إمّا الانسحاب من الحكومة والذهاب إلى انتخابات عامة و«الانتحار» سياسياً في ظل شعبيته المتدنية، وإما الوقوف إلى جانب أولمرت، وبالتالي «الموت البطيء» في حكومته إلى حين الانتخابات.
في نهاية المطاف، وجد باراك حلاً وسطاً: البقاء في الائتلاف مع «كديما»، من دون أولمرت، شرط تنظيم الحزب الحاكم انتخابات تمهيدية لاستبدال رئيسه. انتخابات تفوّقت فيها وزيرة الخارجية تسيبي ليفني على خصمها شاؤول موفاز، وتربّعت على رئاسة الحزب، ساعيةً إلى تأليف حكومة بديلة، فأبرمت اتفاقاً مع باراك، من دون أن تنجح في ضم الحزب اليميني «شاس»، لتعلن مرغمة الذهاب إلى انتخابات عامة ستجري في 10 شباط المقبل.
ومن قلب تلك الأزمات السياسية، بزغ نجم رئيس حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو، ليكرس نفسه المنافس الأقوى على منصب رئاسة الوزراء. وبالفعل سارت الأمور لمصلحته؛ فعندما اندلعت حرب لبنان الثانية (تموز 2006)، كان نتنياهو وحزبه في قلب المعارضة، فنجوا من المحاسبة السياسية والقضائية، إضافة إلى أنّ «كديما» فشل في التوصّل إلى تسويات، لا مع سلطة محمود عباس، ولا في قطاع غزة.
جميعها أوراق اعتماد حوّلها نتنياهو إلى مكاسب شعبية في رصيده. غير أنّ إخفاق الآخرين، لم يجعل من نتنياهو «القائد المفقود»، فالجمهور الإسرائيلي لم ينسَ «نتنياهو المتقلب»، صاحب المواقف المتناقضة منذ أن شغل منصب رئيس الوزراء في عام 1996.
وقد أفرز عام 2008، قيادةً مألوفة لا تبشّر بـ«فجر جديدٍ». قيادة تقليدية غير «نظيفة اليدين». فليفني التي وعدت بـ«قيادة أخرى»، تؤيد عملية في غزة، وتهاجم فلسطينيي 48، مشيرة إلى أن الحل القومي لهم يكمن «في مكان آخر»، أي في الدولة (الكانتون) الفلسطينية الموعودة. صورّت نفسها على أنَّها مختلفة، لكنَّها حملت معها كل ما هو تقليدي في الحلبة السياسية الإسرائيلية: رفضت تقسيم القدس المحتلة، وإعادة اللاجئين، ولم تكن واضحة بشأن التفاوض مع السوريين. أخيراً، اتبعت نهج باقي السياسيين الذين يتجهون يميناً قبل كل انتخابات، بهدف كسب الأصوات المتشددة.
ولعلّ أبرز ما أفرزه العام الجاري ــ المنصرم، هو الحضيض الذي وصل إليه باراك. فقد تحول حزبه منذ 2001، أي بعد وصول أرييل شارون إلى رئاسة الحكومة، إلى شريك في كل الحكومات اليمينية، ما دفع بالمعلّقين السياسيين إلى وصفه بحزب «فاقد لدوره». ورغم أن انتخاب باراك لرئاسة «العمل» جاء محاولةً لإعادة إحياء الحزب، إلا أن الرجل آثر العمل وزيراً للدفاع، عوض أن يبني كوادر حزبه، ما وضعه في أزمة سياسية وأخرى تنظيمية مزمنتين. باختصار، ضحّى باراك الوزير بمهمة إعادة بناء حزب منظم، ولم يحسم مع «حماس»، وهو ينهي عامه «الأسود» بالاتكال على تغيير صورته عبر التصعيد في غزة، علّه يحسّن أوضاع الحزب الذي «أسّس» الدولة العبرية. حلم يبقى صعباً، بما أنّ «عمله» يصارع اليوم على المكان الثالث في الحلبة السياسية، ولا يحظى باستطلاعات الرأي إلا بـ12 مقعداً في الكنيست.
غالبية استطلاعات الرأي تمنح اليمين الإسرائيلي إمكان تأليف الحكومة المقبلة. غير أنّ الحسم اليوم يبقى مستحيلاً، بما أن نسبة كبيرة من الإسرائيليين لم يقرروا بعد، بينما من غير الواضح لمصلحة من ستصبّ عملية عسكرية وشيكة في غزة.
سيحاول «كديما» لا شكّ، تسويق نتنياهو على أنه «لم يتغير». بينما سيحاول باراك استغلال كل الفرص من أجل إثبات نفسه باعتباره «القائد الأمني البديل». لكن في جميع الحالات، فإنَّ المتنافسين على قيادة الدولة العبرية لا يبشرون بآفاق جديدة مع بداية العام، إلا في الدعاية الانتخابية.