عبد الحليم فضل الله

تبدو المؤسسات الدولية وقد تجاوزت عمرها الافتراضي منذ زمن. أكثر ما ينطبق ذلك على صندوق النقد الدولي، وعلى البنك الدولي بدرجة أقل. جورج سوروس كان قد تنبه إلى هذه الحقيقية إبان أزمة الأسواق الآسيوية، التي قيل إنه يتحمل شطراً من المسؤولية عنها. فدعا حينها إلى حذف الصندوق نهائياً من قائمة المؤسسات العالمية لإخفاقه في التحسّب للأزمة وتردده في التعامل مع نتائجها. ويمكننا القول إنّ صندوق النقد انتهى وظيفياً عام 1971 حين أوقفت الحكومة الأميركية تحويل الدولار إلى ذهب، ليفقد أحد أهم مبررات وجوده وهو تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف وتجنب الخفض التنافسي في أسعار العملات. وقد خسر الصندوق لاحقاً دوراً آخر هو تيسير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية كما جاء في اتفاقية بريتون وودز، الأمر الذي بات صعباً في ظلّ قواعد العمل الجديدة التي أملاها الانفتاح التجاري الواسع ورفع القيود عن حركة رؤوس الأموال. وفي جميع الأحوال، لم يتمكن صندوق النقد الدولي من التكيّف مع التحديات التي فرضتها العولمة، وبيئة المخاطر المحيطة بها، والمتمثلة خصوصاً في سرعة انتشار الأزمات، وفقدان المستثمرين والمضاربين لهيئات توجيه حكومية أو دولية تساعدهم على تلمس طريقهم في التضاريس الوعرة للأسواق المالية.
ومع أن فكرة إصلاح النظام المالي طرحت في وقت سابق للأزمة الراهنة، إلا أنها دارت مدار التصحيحات التقنية، وتجنبت المسّ بمبادئ إجماع واشنطن العشرة، التي تُرجمت إلى لائحة طويلة من الشروط (150 شرطاً في بعض الأحيان)، تفرض على الدول التي يقودها حظها العاثر إلى إحدى المؤسسات الدولية. فخلال العقد الأخير أعلن صندوق النقد عزمه تقوية النظام النقدي الدولي بالتعاون مع حكومات البلدان الأعضاء والمنظمات الدولية الأخرى، وذلك في أعقاب انهيار الأسواق الآسيوية، مقترحاً أن تركّز الإصلاحات على تمتين القطاعات المالية، ووضع معايير معدّلة للعمليات المقبولة دولياً، وتحسين قدرة الأسواق على الوصول إلى المعلومات والتأكيد على مبدأ الشفافية وإشراك القطاع الخاص في منع حصول الأزمات وتدارك تداعياتها.
وعلى أهمية هذه الاقتراحات، فإن الأزمة الراهنة كشفت أن الصندوق لم يتحرك قيد أنملة من النقطة التي كان عليها عشية أزمة الأسواق الآسيوية، وأثارت حينها عاصفة انتقادات ضده، إذ فشل اليوم كما فشل في حينه في القيام بثلاث مهمات رئيسية: مهمة الإنذار المبكر، ومهمة إلزام الدول باتخاذ إجراءات صارمة للوقاية، ومهمة التحرك العاجل بعد نشوب الأزمة. هذا مع العلم بأن الصندوق أخذ يركز منذ عام 1999 على تحليل العوامل المسببة للأزمات، وقياس متانة المؤسسات والأنظمة المالية، وكان بدأ قبل ذلك بتطبيق ما أطلق عليه اختبارات الضغط stress tests التي تحدد مستوى حساسية الأنظمة المالية الوطنية لصدمات الاقتصاد الكلي. ثم قامت فرق الصندوق والبنك الدوليين بجهود متواصلة لتصنيف هذه الأنظمة وتصنيفها بحسب مستوى الخطر. لكنّ هذه الجهود أخفقت في الكشف على مواطن الضعف الحقيقية في النظام المالي العالمي، فبينما كانت العيون شاخصة على الأسواق الناشئة والبلدان النامية من جهة، والدول الفاشلة والمتعثرة من جهة أخرى، كان وحش الأزمة ينمو في أحشاء الاقتصادات الكبرى، وفي رحم البورصات الرئيسية التي كانت تنعم بوهم رواج غير مسبوق، وتحسب الانتفاخ ملاءة.
إن مناقشة مستقبل صندوق النقد الدولي، يجب أن يبدأ بتحليل الأسباب التي منعته من تحقيق أهدافه، سواء منها الأصلية المتمحورة حول استقرار أسعار الصرف، وتصحيح الاختلالات في ميزان المدفوعات، أو المستجدة المتمثلة في تشييد نظام عالمي متعدد الأطراف للتوجيه والرقابة. ومن عوامل الفشل: 1ـــ محدودية موارد الصندوق حيث لا تتجاوز أصوله 0.2% من مجموع الأصول المتداولة في الأسواق المالية و6 بالألف من قيمة المشتقات المالية. وقد حاول الصندوق التعويض عن ذلك بالتركيز على تقديم المشورة للدول بشأن سياساتها الاقتصادية، متحولاً بذلك من وظيفة الإشراف على النظام المالي العالمي إلى وظيفة الوصاية على البلدان النامية.
2ـــ انكفاء الصندوق بصورة شبه تامة عن القيام بما يلزم تجاه الدول الصناعية، التي تنتهك المعايير التي كانت تدعو إلى فرضها على الدول الأخرى.
3ـــ الأفق الضيق لبرامج الصندوق، التي تفاعلت ببطء مع التحولات، وركزت طوال الوقت على السياسات الرسمية وأداء المؤسسات المالية النظامية، ولم تلحظ ما كان يحصل خارج الأسوار وفي الردهات الخلفية للأسواق.
إن تلبية الدعوة إلى إصلاح المؤسسات الدولية، التي تصدرت توصيات قمة مجموعة العشرين، يتطلب إصلاحات ذات زخم قوي من شأنها تحسين الهياكل التنظيمية والإدارية للنظام المالي الدولي، وهذا يتطلب بالنسبة لصندوق النقد زيادة في أهمية دوره الإشرافي والرقابي، وتنويع المعايير التي تحدد حصص الأعضاء وقوتهم التصويتية، التي يمكن توزيعها بالتساوي بين المجموعات الثلاث: الدول الصناعية، الدول الحديثة التصنيع، والدول الأقل نمواً. وما لم يحصل ذلك فإن الخيار الآخر هو التخلي عن هذه المؤسسة واستبدالها بمؤسسات إقليمية بديلة.
قبل عامين تقريباً، رأى محافظ البنك المركزي البريطاني أن صندوق النقد الدولي هو مؤسسة بلا مهمة، نتيجة نجاح العولمة حسب رأيه في خلق أنظمة ذات قدرات تنظيمية ذاتية. والحقيقة التي برزت غداة الأزمة معاكسة تماماً، ففقدان الصندوق لدوره ناتج من عدم تحليه بالحزم الكافي لتفكيك نظم الرقابة الذاتية التي حلت محل الرقابة الرسمية، وبعثت لدى الدول شعوراً زائفاً بالرضى بشأن مستوى الأمان في أسواقها.