وائل عبد الفتاح

تتحول المحاكمات في مصر إلى منصات، تفتح فيها ملفات مسكوت عنها. وتخرج من بين دفتيها حكايات شعبية عن أبطال أسطوريين يحرّكون الأحداث بأطراف أصابعهم. مشاهدة استعراضات المحاكم تحل أحياناًَ محل العدالة... وغالباً السياسة.

البحث عن «الأمير» في استعراض محظورإنه الأمير؟ هذه إجابة كل الأسئلة المحيطة بمقتل سوزان تميم. السؤال التالي: أي أمير؟ فكلمة الأمير وحدها تشير إلى عدد من أمراء الخليج، كل منهم دخل إلى حكاية الملياردير والمغنية بطريقته. مرة حاكم دبي محمد بن راشد، الذي كان وراء قرار الرئيس مبارك بتطبيق القانون على الرجل المقرب منه هشام طلعت مصطفى. ومرات الأمير تصبح دلالة على كل الكبار الغامضين الذين تلعب أصابعهم في القضية أو يصفّون حسابات مع المتهم أو اصطادوه عبر «مجرم أجير» لم يقتل سوزان فقط، لكنه ورّط هشام أيضاً.
خيال شعبي يبحث في ما وراء المعلن من القصة. ويبحث عن أبطالها المختفين وراء الستار. بطل القصة الآن هو الأمير الوليد بن طلال. الوليد نجم في القاهرة مقرّب من الرئيس وعائلته. قال مرة في حوار إن مبارك يعامله كابن ثالث. وهو بالفعل حليف للنظام ومساند له في أزماته. شارك في مشروعات تراها الحكومة «عملاقة». وبعد تعثّر حكومة كمال الجنزوري في تمويل مشروع «توشكى» (أحد مشاريع غزو الصحراء، الذي روجت له دعاية النظام على أنه مشروع مبارك القومي والأقوى من السد العالي، لكنه فشل فشلاً كبيراً)، عرض هو شراء مساحة خيالية (120 ألف فدان) دفع فيها مليار جنيه، هي جزء من استثماراته في القاهرة التي تبلغ 7 مليارات جنيه وتتركز فى قطاع واحد هو السياحة (الفورسيزون وموفنبيك).
سيرة الوليد كانت تمر دائماً عبر 3 عواصم عربية: الرياض، وبيروت، والقاهرة. في كل محطة كان منحى الحكاية يتخذ شكلاً درامياً يغيّر مصير «الأمير».
ولد الوليد في عام 1957 من زواج مثير بين عائلات السياسة العربية. فهو ابن الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي خرج عن اتفاق الصمت وتزعم جماعة من الأمراء استهوتهم أفكار ليبرالية، جماعة سمّاها «نجد الشابة». حدث ذلك في الخمسينيات، واسم نجد كان يعني المركز الذي خرج منه آل سعود ليحكموا الجزيرة العربية. وشبابها يعني المطالبة بدستور وتقوية مجلس الوزراء في مواجهة الملك وإنشاء مجلس شورى يتضمن نسبة عضوية منتخبة. كانت كاريزما جمال عبد الناصر تحوم حول قصور آل سعود. ثورة الجنرالات تداعب أحلام بعض الخارجين عن عائلات الثروة. الأمير طلال سمّى مجموعته: «الأمراء الأحرار». خيط بين الثورة والثروة. لم تكن عين عبد الناصر بعيدة عن التقاطه. وربما كان هذا على خلفية رفض الملك سعود أحلام الملكية الحديثة، فاكتفى بملك تقليدي استطاع أخوه فيصل بعد سنوات قليلة أن يلزمه قصره، لكن بعدما أصدر فتوى تدين الأمراء الأحرار وتتهمهم بخرق الشريعة الإسلامية.
عام 1961 سحبت الحكومة السعودية جواز سفر الأمير طلال، وبدأت إجراءات إعادته إلى اتفاق الصمت، حتى دفعته إلى منفى اختياري في القاهرة في عز الحرب الباردة بين مصر والسعودية. هنا، أصبح الأمير في مرمى الأهداف والمصالح والاستخدام السياسي. أعلن أنه يؤمن بتطبيق الاشتراكية وأطلق إذاعة معادية للعائلة الحاكمة، واختار اسماً حركيّاً: الأمير الأحمر.
لكن حكاية الاشتراكية والتنظيم انتهت سريعاً، وتمت مصالحة عائلية وصفقة يلتزم فيها طلال الصمت السياسي، وتلتزم العائلة تدبير مصادر ثروة مريحة من إدارة شركة مقاولات وتجارة عقارات نقلته في خلال عامين إلى مصاف الأمراء الأثرياء.
الوليد هو ابن طلال من زوجته منى، ابنة الزعيم اللبناني رياض الصلح. قضى طفولته في بيروت حتى عام 1968، عندما فكّر الأب الأمير في أن يحافظ على موقع لابنه في خريطة أمراء العائلة المالكة. ألحقه بمدرسة عسكرية، وضمن له مستوى حياة رفاهية، لكنها لم تكن مميزة مثل طائفة الأمراء الصغار القريبين من الخلافة. الوليد نموذج من الأمراء يثير شهية النميمة والمراقبة. على تماس مع السلطة وغارق في الثروة ومشغول بعالم النجوم. فكيف تسرب اسمه ليكون الرجل الخفي في قضية الملياردير والمغنية؟
هو شريك هشام طلعت مصطفى في «الفور سيزون». اختلفا في الفترة الأخيرة. والدليل على الخلاف، بحسب المهتمين بالكواليس، رفض الوليد اصطحاب هشام معه في لقاء مع مبارك، ليذهب هشام وحده في اليوم التالي.
شركاء في التجارة يتنافسان على القرب من الرئيس. كانت هذه هي الصورة عن مباراة على السوق المحلي في مصر. الحكاية الشعبية تأخذ القضية إلى وجهة أن محاكمة هشام طلعت فصل من فصول انتقام الأمير من شريكه. فهو الذي قدم سوزان لهشام، لكونه عرّابها... فنيّاً.
حرب متخيلة بين الملياردير والأمير، هي ملخص المحاكمة التي حظرت بسبب 3 كتب وزعت قبل المحاكمة واثناءها. حكى أصحابها بأسلوب الصحافة الصفراء عن مغامرات المغنية في بلاط الأمراء والملوك وديناصورات الأعمال. وذهب كتاب قانوني ليؤكّد أن القضية «مؤامرة» من منافسين.
الحكايات كلها صبّت عند الأمير، باعتباره محرك الأحداث. ولم يكن غريباً أن تتردد جملة واحدة في أوساط الفن والسياسة والاقتصاد: «إنه هو...». ولا يستفسر المستمعون عن الاسم، لكنهم يتبارون في تعداد مظاهر تأثيره السياسي والاقتصادي. ورغم أنها كلها أسباب واهية ولا تحمل دليلاً واحداً، إلا أن القصة تلقى هوىً، وتوافق مزاج «البحث عن فضيحة».
هكذا خفّت متابعة القضية وحلت محلها أجندة سياسية: طلب استدعاء جمال مبارك ووزير الداخلية. طلب بتعويض 2 مليار جنيه لفقراء مصر تعويضاً عن ليالي المغنية في القاهرة، وأسرار الاقتصاد وأسماء كبار الشخصيات.
استعراض كامل الأوصاف قرر القاضي حظره قبل أن ينسى الناس الجريمة وتتحول منصة العدالة إلى سيرك سياسي كبير.

عملية اصطياد الرجل الثاني


«الرجل القوي في القفص»، تلك هي اللحظة المثيرة التي تنتظرها الجماهير في مصر. بعدها، يمكن أن تكتب النهاية، فقد حدث التطهير وتم التخلص من الشرير، واستراح الجمهور، لكن الحكام استمروا على مقاعدهم
«رئيس مجلس إدارة الدنيا»، كان هذا لقب يوسف عبد الرحمن، الذي حكمت عليه محكمة شمال القاهرة بالسجن 10 سنوات. ولم يكن هذا هو اسمه الوحيد، فهو «الإمبراطور الصغير» و«الطفل المعجزة»، وغيرها من أسماء تلخص الدهشة أمام حقائق كشفت عنها الصحف نقلاً عن تقارير الرقابة الإدارية. الحقائق تفوق التوقع. وتتجاوز كل الحكايات المعروفة من قبل عن نجوم الفساد.
والأهم أنها تصدم عموم المصريين، الذين أصبحوا ينظرون لمثل هذه الوقائع كأنها أساطير ألف ليلة وليلة. أساطير عن أقوياء يقدرون على كل شيء بقوة تشبه السحر في قصور خرافية تدور فيها حكايات خارج حدود العقل في مدينة أوهام تعيش خارج الزمن.
هكذا، تعيش مصر لحظة نادرة في تاريخها، تبدو فيها الأحداث كأنها حكايات تمت في أزمان متباينة والشخصيات كأنها خرجت من كتاب قديم. وينتظر الجميع نهاية غير متوقعة أو شيئاً مدهشاً يكسر ملل التوقع ويجدد دماء الأحداث المعادة.
يوسف عبد الرحمن هو نموذج «الرجل الثاني»، الذي كانت عملية اصطياده جزءاً من تصفية يوسف والي، أحد الرجال الأقوياء في نظام مبارك. لا يزال نائباً لرئيس الحزب الحاكم، لكن دوره الأكبر كان في وزارة الزراعة التي استمر على مقعدها أكثر من 20 سنة.
والي كان «عدو الشعب» ما دام في السلطة. عدّه الناس «سفير السرطان» بعد ارتفاع نسبة الإصابة بالمرض بسبب سياساته وفساد رجاله الخبراء في استيراد مبيدات «مسرطنة». حسب التعبير الصحافي، هي جزء من «مؤامرة إسرائيلية» هو أداتها في مصر. مؤامرة تدمير صحة الشعب المصري عبر «حرب بيولوجية» تخيلتها العقلية الشعبية بسيناريوات تنافس الخيال العلمي.
لكن المدهش أن الناس، بعد النجاح في إبعاد والي إلى منطقة الظل، أيقنت أنه ضحية صراع على السلطة، وأن ما يحدث انتقام مؤجل لن يغير شيئاً. أصبح هناك يقين بأن المسؤول لا يتغير لأنه فاسد، بل لأن شبكة حمايته سقطت أو تريد التضحية به.
من هنا، يبدو خروج والي من مجمع كهنة، لا من منصب سياسي، وخصوصاً أنه كان يؤدي طوال زمنه في المناصب الحكومية دور إبليس، الذي يرجمه الناس ويحمل لعناتهم بديلاً من النظام كله.
راجت، ليلة القبض على يوسف عبد الرحمن، تفسيرات تربط بين سقوطه والصراع غير المعلن بين الحرس القديم والحرس الجديد في الحزب الوطني. وربما كان سيناريو اصطياد الرجل الثاني خيالاً شعبياً أو أمنيات سياسية أو ترويجاً لشائعات تعلن قوة جناح التغيير في السلطة ضد جناح الخلود والاستمرار.

«أسيرة الدير»قررت وفاء قبل 4 سنوات تغيير دينها من المسيحية إلى الإسلام لتحصل على الطلاق. وهنا بدأت المأساة (زوجها له رتبة كبيرة في الهيراركية الأرثوذكسية). تحولت إلى رمز في حرب طائفية غير معلنة. قصتها أيقظت النار النائمة تحت الرماد.
المؤسسات الكبيرة لم تحتمل. لا الكنيسة ولا الأمن ولا الرئاسة، ولا حتى الأحزاب. كل هؤلاء لم يحتملوا الدفاع عن حرية سيدة تبلغ من العمر 46 عاماً. ليس هذا فقط، بل إنهم جميعاً لم يحتملوا قرارها بالخروج من حياتها إلى حياة جديدة.
قالوا عنها أوصافاً فظيعة. اتهموها في أخلاقها. تحدثوا بالنميمة عن رغبتها في الاستمتاع بحياتها، وبأنها غيّرت دينها لتحصل على الطلاق من زواج لم تكن المتعة على برنامجه.
المتعة عيب؟! والحرية الشخصية آخر شيء يمكن احترامه. أما الشعور بالفردية أو بالقدرة على الخروج من القطيع، فهو ضرب من الجنون. يتعامل معه أصحاب القرار بتسفيه.
الأزمة أدارها «عواجيز» الدولة (تجاوز كل منهم السبعين عاماً)، ولم يسمحوا لوفاء بأن تختار حياتها. هي الآن في الخمسين وأسيرة قرار فوقي. كأنها تنفذ عقوبة على رغبتها في الحرية.
لا أحد يحمي حرية الشخص ولا حياته. المهم المؤسسة وتقاليدها المنتمية إلى القرون الوسطى.
وفاء وحيدة الآن. اتحد الجميع ضدّ حريتها. تظاهر الآلاف أمام الكاتدرائية وهددوا بحرق البلد إذا لم يستردوا وفاء «المسيحية». واقترح خبيث أن يقتحم الشباب دير وادي النطرون حيث تعيش الآن ليحرروا وفاء «المسلمة».
لم يفكر أحد في وفاء. وهم يقررون أن الحل للخروج من الأزمة هو «تسليمها» للكنيسة. كيف يقبل المجتمع الحديث أن تسلم امراة لكهنة من دين تركته بإرادتها الحرة؟ «التسليم» تعبير متخلّف، مهين للإنسانية ومهين لكل من شارك فى العملية: البابا والدولة والوسطاء.
لا مصلحة لأحد منهم في تغيير الوضع التعس، الذي قاد امرأة متعلمة للتمرد على حياتها. هي من عائلة متوسطة، اختارت أن تعمل، لا أن تنتظر مصروف الزوج، لكنها فجأة وجدت نفسها مثل سبايا عصر الجواري، يجري التفاوض عليها من دون استشارتها.
وفاء الآن أسيرة الدير. ونساء كثيرات أسيرات البيت الزوجي والعلاقات المشوّهة.
ماذا يحدث إذا خرجت النساء من الأسر؟