القاهرة | قد تتعرض دولة محورية إقليمياً، مثل مصر، لضربات أمنية موجعة تنتج منها تبعات سياسية خطرة (هجمات سيناء الأخيرة وغيرها)، ومن المؤكد كذلك أنها تتأثر بمحيطها الاستراتيجي المضطرب. لكن معطيات ووقائع كهذه لا تُفقد القاهرة مكانتها السياسية ضمن لعبة التجاذبات القائمة في المنطقة العربية. وتتعزز هذه المكانة في الخريطة الإقليمية من ناحية أولى بفعل تثبيت السلطات المصرية الجديدة الاستقرار الداخلي إلى حد كبير، ومن ناحية ثانية بفعل استعادة الحكم الجديد تقليداً قديماً عرفته السياسة الخارجية المصرية، يقضي بالتحرك بين المحاور الفاعلة في الشرق الأوسط، تأميناً للمصالح.


انطلاقاً من هذه الفرضية، تكتسب الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقاهرة يومي 9 و10 شباط الحالي أهمية خاصة، لناحية تكريسها للأبعاد الجديدة للديبلوماسية المصرية، ولناحية استعراضها للمدى الذي يمكن أن تنتهجه القاهرة في علاقاتها مع موسكو.
مصادر رئاسية مصرية قالت لـ"الأخبار" إن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، سيعمل خلال استقباله نظيره الروسي على "وضع الخطوط العريضة لاتفاقيات كان قد أبرمها في روسيا خلال زيارته لها في شهر آب الماضي". وأوضحت المصادر أنّ الاتفاقيات تتضمن "إنشاء منطقة تجارة حرة بين مصر والاتحاد الجمركي الذي أنشأته روسيا، ويضم إليها كلاً من بيلاروسيا وكازاخستان"، مشيرة إلى أن المنطقة التجارية ستقام "بالقرب من موقع قناة السويس الجديدة، ومن المقرر أن ينتهي بناؤها في آب 2015".
ووفقاً للمصادر، ستشكل "الشحنات العسكرية" الملف الثاني الذي سيجري التطرق إليه بين الرئيسين. المصادر ذاتها لفتت إلى أنّ البحث يشمل "كيفية توصيل شحنات من المنتجات العسكرية الروسية، ذات التقنية العالية، بما في ذلك مقاتلات ميغ 29، وكذلك أنظمة صواريخ مضادة للدبابات من طراز كورنيت، وطوافات هجومية.... مع الأخذ في الاعتبار أن مصر تسلمت دفعات من صفقة التسليح الأخيرة التي عقدت في آب 2013 خلال الزيارة التي قام بها السيسي عندما كان وزيراً للدفاع".
ويزور الرئيس الروسي مصر في 9 و10 شباط الحالي، بدعوة من نظيره المصري كما أعلن الكرملين في بيان، أمس. وأوضح البيان الروسي أن الرئيسين سيبحثان خلال الزيارة "آفاق تنمية العلاقات الروسية ــ المصرية، وخصوصاً في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والانسانية"، مضيفاً أنه "سيجري تبادل وجهات النظر حول الوضع في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، وخصوصاً العراق وسوريا وليبيا"، وكذلك تسوية الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي.
من جهتها، أشارت المصادر المصرية إلى أن زيارة بوتين، التي تأتي قبل نحو عام على الذكرى الـ60 لقيام التعاون العسكري التقني بين روسيا ومصر، كانت قد تأجلت لمرتين. الزيارة الأولى كانت مقررة في تشرين الأول الماضي بهدف حضور الاحتفالات المصرية بأعياد "ذكرى أكتوبر"، إلا أنّ الظروف والأوضاع الأمنية حالت دون ذلك. والثانية، كانت مقررة في شهر تشرين الثاني، "لكن التحولات السياسية وأجندة بوتين الاقتصادية لإنقاذ بلاده من الضغوط التي تحاول واشنطن فرضها حالت دون إتمام الزيارة".
وتأتي زيارة الرئيس الروسي في وقت تسعى فيه القاهرة إلى تعزيز أسواقها التجارية الخارجية، فيما قد تشكل الأسواق الروسية مساحة خصبة يمكن الاعتماد عليها، خصوصاً أنّ الجانب المصري "سيحاول خلال اللقاءات تفعيل بعض الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة، لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين بعدما سجل أخيراً 5.2 مليارات دولار"، وفقاً لمصادر مصرية. وفي السياق، يبدو أنّ سلطات القاهرة تعوّل على تبعات العقوبات الأوروبية المفروضة على موسكو إثر تصاعد حدة الأزمة في أوكرانيا بهدف تقديم ذاتها كمنفذ لروسيا.
وربطاً بهذه التوجهات، تلفت المصادر المصرية إلى أنّ حزمة من التشريعات الاقتصادية سيجري التطرق إليها بهدف تعزيز "موقف روسيا واستثماراتها... وهناك مجموعة من التشريعات الجديدة التي تعكف مصر على صياغتها لتحسين مناخ الاستثمار، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ومن بينها بطبيعة الحال، الاستثمارات الروسية، التي سيكون مُرحباً بها في مصر".
ولا ينفصل ملف العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين عن تطوير التعاون في المجال السياحي، نظراً إلى أن روسيا من أكبر الدول المصدرة للسياحة إلى مصر. وتأتي أيضاً ضمن هيكلية التعاون التجاري والاقتصادي، وفقاً للمصادر المصرية، قضايا التعاون في مجال الطاقة، والمجالات الثقافية والعلمية والتكنولوجية.
وإن كانت التحضيرات للزيارة التي سيقوم بها بوتين للقاهرة ــ الأولى لرئيس روسي منذ ستة أعوام ــ تطغى عليها ملفات التعاون الاقتصادي والعسكري، الذي للمناسبة لم يعرف مداه بعد، فإن الملفات السياسية الإقليمية لا بد أن يكون لها حضورها. وفي هذا الشأن، قالت مصادر رئاسية مصرية إن "المباحثات ستناقش مجمل الأوضاع الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الأوضاع في قطاع غزة، فضلاً عن ليبيا، وذلك اتصالاً بالتداعيات السلبية لتردي الأوضاع السياسية والأمنية على الحدود الغربية المصرية، إلى جانب الأوضاع في العراق، وضرورة الحفاظ على وحدته الإقليمية، وكذلك الأزمة السورية، وأهمية التوصل إلى تسوية تحفظ وحدتها الإقليمية وتصون أرواح مواطنيها، إضافة إلى قضية مكافحة الإرهاب التي ستكون من القضايا ذات الأولوية على جدول أعمال جلسة المباحثات الثنائية المقرر أن تكون فى قصر الاتحادية".
عموماً، فيما لا تنفصل هذه الزيارة أيضاً عن محاولات القاهرة الحثيثة لاستعادة ثقلها السياسي إقليمياً وحضورها الدولي، إلا أنها قد تؤمّن في أحد جوانبها دفعاً سياسياً واقتصادياً مهماً للمؤتمر الاقتصادي المرتقب أن تنظمه السلطات في شهر آذار المقبل. ويعتبر هذا المؤتمر أولوية للرئاسة المصرية، وهو من المفترض أن يكون عبارة عن مؤتمر دولي كبير للمستثمرين، يسعى إلى كسب الدعم لمجموعة واسعة من المشروعات الطويلة الأمد، مثل إنشاء قناة السويس الجديدة وبعض المشروعات الصناعية والزراعية. وتخوض مصر معركة شاقة لاستعادة الثقة في اقتصاد منهك، تحديداً منذ عام 2011.
ويشير حديث المصادر المصرية، إضافة إلى مختلف التقاطعات التي تدور في فلك الزيارة، إلى أنّ القاهرة تعرف ما تريده من الجانب الروسي، لكن الأمر الأهم يبقى في ترقب ما سيعلنه الرئيس الروسي خلال زيارته في ما يخص مختلف الملفات. وتكمن أهمية الحديث الروسي في القاهرة في أنه يفتح على سؤال آخر: كيف ستوائم القاهرة بين علاقاتها المتنامية مع موسكو من جهة، وعلاقاتها مع واشنطن ومن خلفها القوى الخليجية الإقليمية من جهة أخرى؟
ومن المعروف أن علاقات القاهرة مع العواصم الخليجية شكلت خلال الفترة الأخيرة ركيزة صلبة استثمرها النظام الجديد لتثبيت الأوضاع داخلياً. وفي إشارة إلى حجم هذه العلاقات، فقد نقلت، أمس، صحيفة "اليوم السابع" المصرية عن مصادر حكومية قولها إن السعودية والإمارات والكويت ستقدم لمصر عشرة مليارات دولار في صورة ودائع قبل انعقاد المؤتمر الاقتصادي في منتصف آذار المقبل. وسبق أن تلقت مصر مبالغ أخرى في صورة منح وقروض ومنتجات بترولية من الدول الثلاث إثر عزل الجيش الرئيس السابق، محمد مرسي، في شهر تموز عام 2013.