القاهرة ــ الأخبار

عندما انتهى الرئيس حسني مبارك من خطابه في افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة، وصافح كبار مساعديه والمسؤولين في الدولة، وجد طريقه إلى خارج قاعة مجلس الشعب في شارع «قصر العيني» في القاهرة. بدا أنّ لحراسه الشخصيين مهمة إضافية إلى جانب حمايته خلافاً للمعهود. كانت اللقطات المحدودة التي بثها التلفاز الرسمي كافية لكي ترصد أعين المشاهدين. أعين حرّاسه عن اليمين واليسار مركزة فقط على قدميه وهو يهبط درج السلم المؤدي إلى خارج القاعة، بينما بدت خطواته متثاقلة خلافاً لما كانت الحال عليه عندما دخل الرجل القاعة نفسها ليؤدي اليمين الدستورية رئيساً للبلاد خلفاً لسلفه الراحل أنور السادات عام 1981.
صوته المشروخ وحركات يديه البطيئة كشفت مضاعفات السن بالنسبة إلى رجل في الثمانين من عمره أمضى 27 عاماً في الحكم من دون كلل أو ملل. صوته الجهوري بدا ضعيفاً على الرغم من اجتهاده في إضفاء طابع مسرحي هزلي على طريقته المعتادة في الإلقاء.
حركة يديه المستمرة وهي تمر على إسفنجة مبللة بالماء موضوعة على منصة الخطاب أمامه، لكي يتمكن بسهولة من كرّ صفحات الخطاب المطبوعة بأحرف كبيرة وبارزة لتريح عينيه... كلها مؤشرات ذات دلالة.
لكن كل تلك الشواهد الجسدية لم تمنع مبارك من ترديد الشعارات الكلاسيكية التي طالما تبناها في خطاباته السابقة وفي القاعة نفسها وتقريباً بالمصطلحات ذاتها.
الجميع احتشدوا لسماع خطاب أضفت عليه تصريحات كبار مساعديه ووسائل الإعلام الرسمية كالمعتاد «الطابع التاريخي». ولتوفير حماية الرئيس، اصطفت آلاف السيارات في شوارع القاهرة بانتظار انتهاء الخطاب، في مشهد بات معتاداً وغير مثير للريبة أو للتبرم. فالمصريون اعتادوا الوقوف ساعات طويلة بانتظار عبور الموكب الرئاسي وهم يتململون من ضياع وقتهم هدراً في انتظار لحظة الفرج.
وفي خطابه، أعاد مبارك تقديم مؤهلاته للشعب. فهو لعب على وتيرتي علاقته الطويلة بالمؤسسة العسكرية وذكّر الجميع بأنه «أحد أبنائها الذين عاشوا طويلاً في صفوفها وشاهد كل الحروب التي خاضتها البلاد تقريباً منذ عام 1956 ضد الدولة العبرية».
وعن التوريث، علق أحدهم قائلاً: «كأنه يقول: ليس مهمّاً أن يكون القادم من بعدي خارجاً لتوه من الباب العسكري». في المقابل، رأى آخرون أن الخطاب بدا كأنه محاولة لتأكيد أن الآتي إلى عرش البلاد «لا بد أن يكون من أصحاب اللون الكاكي (العسكري)». وفي الخطاب نفسه، تجاهل الرئيس الإشارة إلى المشروع المثير للجدل الذي يتبناه ابنه جمال، والرامي إلى إعادة توزيع عائدات ما بقي من شركات القطاع العام على المواطنين بالهوية أو البطاقة الشخصية على هيئة صكوك أو أسهم.
لم يسهم الرئيس بالنقاش في هذا الموضوع، بل تركه معلقاً بانتظار أن يبدأ البرلمان مناقشاته.
وعبر تأكيده أنه معنيّ بالحفاظ على «الأمن القومي للبلاد»، وضع مبارك المؤسستين الأمنية والعسكرية فوق الجميع، مشيراً، من دون مواربة، إلى أن الأمر للعسكر وليس للبيروقراطيين أو التكنوقراط من بعده.
الخطاب الذي أُلقي على مسامع السيدة قرينته سوزان وابنه جمال مثّل خيبة أمل للمصريين، لأنه لم يحمل جديداً يُذكر سوى بعض الإيحاءات والإيماءات. بدا مبارك راضياً عمّا حدث لمقر حزب «الغد» ولمؤسسه أيمن نور. كان الرئيس في الواقع يقول للناس: «انظروا. أنا أو الفوضى... ولتذهب كل التطلعات إلى غدٍ مختلف إلى الجحيم».