دمشق | جملة وردت على لسان رئيس مجلس الوزراء السوري وائل الحلقي قلّبت مواجع أهل المهنة. جاء ذلك خلال الجلسة الختامية للدور التشريعي الأول في مجلس الشعب قبل أسابيع، حين وعد برفع سقف الحريات الإعلامية في البلاد. يعرف الصحافيون السوريون أن لا تطوّر حملته ظروف الحرب الصعبة على الوضع الإعلامي داخل البلاد، إذ اقتصرت كل محاولات التجديد والتحرّر من القيود المفروضة على مبادرات محدودة.


ضرورة رفع سقف الحريات، لم تعدُ كونها شعاراً يتردد على ألسنة بقية المسؤولين السوريين، إذ لا خطوات عملية تلوح في الأفق، لفك أسر صلاحيات السلطة الرابعة، وإطلاق يدها في مواجهة مقص الرقيب السوري الصارم. أمرٌ كان يضطر الصحافي السوري إلى التراجع عن أي طرح خارج سرب إعلام السلطة، خشية ملاحقة أمنية محتملة.
يسير مراسل «القدس العربي» في سوريا كامل صقر وفق هامش الحريات المتاحة. يختار كلماته بعناية، برغم أنه يمارس مهنته باستقلالية واضحة، كي لا يدخل في حقل ألغام الخطوط الحمراء التي يضعها الرقيب. مسألة تجاوز مقص الرقيب، بحسب تعبيره، مرتبطة بمهارة الصحافي ومهنيته ومعرفته العميقة بالعقل الرقيب من جهة، وبالقضية التي يخوض فيها من جهة أُخرى. ويتابع: «معظم الصحافيين يمارسون على أنفسهم رقيباً داخلياً، يقصّ ويحذف الكثير من المعلومات ويحجبها عن الجمهور». ويضيف: «في كثير من الأحيان لا أصدق حديث المسؤولين السوريين عن تعزيز الحريات الإعلامية. عموماً هي أحاديث قليلة وخجولة أيضاً. بعض المسؤولين الذين تربطني بهم معرفة شخصية، ينظر بعين التمني نحو حرية الإعلام، ويتحدث بصدق وحماسة عن الأمر». وبرأي صقر، فإن الإعلام السوري الرسمي والخاص، أخيراً، كسر الكثير من القيود وتجاوز الكثير من الخطوط الحمراء التي لم يسبق له الوصول إليها سابقاً. لا يميل المراسل إلى الاعتقاد بأن ربح الدولة معركتها السياسية والأمنية والعسكرية ستدفعها إلى تشديد القبضة على الكلمة، بل على العكس، «لا بد أن يعطي الاستقرار السياسي والأمني دفعة قوية للحريات». ويضيف: «كلما توسعت التيارات السياسية المشاركة في السلطة، كانت أمامنا صحافة أكثر واقعية». ويختم: «يجب أن تتخلى السلطة عن مشاعر الريبة والتشكيك تجاه الإعلام غير الرسمي، باعتباره قادراً على بناء ما لا يستطيع الإعلام الحكومي بناءه».

«لا تعويل على التصريحات»

تجارب إعلامية سورية عدة، غرقت في قضايا تتعلق بكشف الفساد والوصول إلى قلب الحدث، إنما نالت حصتها من المتاعب. وتظهر بوضوح تجربة تلفزيون «الخبر»، باعتباره أبرز المنابر المستقلة خلال الأزمة في سوريا، وما قبلها. لا يعوّل رئيس تحرير التلفزيون عبد الله عبد الوهاب على تصريحات المسؤولين، حيال الحريات الإعلامية، إذ يقول: «حين يتحدث المسؤول عن تعزيز الحرية الإعلامية، فهو يتحدث عنها من وجهة نظره. الأمر نسبي. لا أرسم استراتيجية لمؤسستي من خلال تصريحات أي مسؤول، وإن كنت أتمنى صدق نيّاته». ويرى أن «الزملاء في المؤسسات الإعلامية الخاصة يتحملون المسؤولية الأكبر في التخلص من مقص الرقابة». ويتابع: «بين غياب الفكر الواعي والجريء، والنفاق تجاه مؤسسات الدولة، لا يمكن التخلص من مقص الرقابة إلا من خلال أمرين أساسيين: استقلالية المؤسسات، ومهنتيها وموضوعيتها». لا يرى عبد الوهاب أن تضاعف عدد الطارئين على المهنة وغياب الضوابط المهنية، وصعوبة ضبط الكم الهائل من التدفق اليومي في الأخبار، تؤدي كلها إلى توسيع هامش الحريات، بل يؤكد أن الخطوط الحمر ما زالت نفسها بالنسبة إلى أي مؤسسة داخل الأراضي السورية. ويضيف: «على الخطوات المطلوبة لرفع سقف الحريات أن تكون مرحلية ترمي إلى خلق كوادر جديدة ومؤهلة. هذا أجدى من مجرد إرخاء القبضة الأمنية، التي يمكنها أن تتنحى لمصلحة أنصاف الموهوبين وأشباه المحترفين».
وكان من اللافت خلال أربع سنوات من الحرب السورية تجارب مؤسسات إعلامية استغلت الفرصة للعمل الصحافي وسط الدمار والموت والفوضى، لتكون قريبة من الناس وتتحدث باسمهم. غير أن فتح بعض المنابر للمعارضة السورية، في الوقت الذي أغلق فيه الإعلام الحكومي منابره في وجهها، مثّل تحدياً في مكانه لمؤسسة كإذاعة «شام إف» مثلاً. ترى المذيعة صفاء مكنّا أن الحرب الدائرة هي السبب في خلق رادع أخلاقي لدى الصحافي، يمنع نشر كل المعلومات، ولا سيما تلك التي قد تمس بالسلم الأهلي. وتذكر في حديث لـ«الأخبار» أن المشكلة الحقيقية هي واقع الإعلام السوري وتركيبته وهيكلية مؤسساته، إضافة إلى هيمنة جهات رقابية عدة تمارس الوصاية على المؤسسات. وهذه الجهات، بحسب مكنّا قد تتنافر فيما بينها أحياناً، فضلاً عن تدخل «غير المعنيين» في عمل الصحافة. تتفاءل مكنّا قليلاً عند الحديث عن الطاقات الإعلامية الكبيرة التي تنتظر دعماً يصنع إعلاماً سورياً «يشبهنا على الأقل، في ظل الفرصة المتاحة».

الزعبي: تفاءلوا

الرد الرسمي على هواجس الزملاء الصحافيين في سوريا جاء على لسان وزير الإعلام عمران الزعبي، الذي طلب إلى الصحافيين، في حديث لـ«الأخبار»، أن يكونوا متفائلين، بما تتطلبه مهنتهم منهم، إذ إن تحوّلاً كرفع سقف الحريات يحتاج إلى وقت. يجلس الوزير على مكتبه سعيداً بمنجزات الإعلام السوري في عهده. يستعرض الجرائد الأربع الموضوعة على مكتبه: تشرين والثورة والبعث والوطن، ويطلب قراءتها لملاحظة الفرق من حيث الجرأة في الطرح، باعتبارها تمارس بنفسها دور الرقابة على مؤسسات الدولة الأخرى. ويشرح عبارة رفع سقف الحريات الإعلامية الموعود، بأن تكفل الحكومة حرية التعبير للمواطنين والقوى السياسية والأحزاب على منابر الإعلام الوطني، وبأن تعمل على تمكين هذا الإعلام من اختراق الفساد ومؤسساته. ولا يرى أن تصريح أي مسؤول بالعمل على تحقيق المزيد من الحريات بمثابة وعد، بل هو مجرد محاولة لتأمين المزيد من متطلبات العمل الصحافي. ويضيف: «الممنوعات واضحة ومحددة، وأهمها: الطائفية والمذهبية، والمس بالجيش والعلم والنشيد، إضافة إلى المس بالرئيس باعتباره حامي الدستور والسيادة الوطنية».