بعد أشهر من مراكمة الإنجازات الميدانية والتقدم على امتداد المحافظات اليمنية وحصد مكتسبات متفرقة، ترجمت «أنصار الله»، أخيراً، حراكها بلغةٍ هي الأوضح سياسياً، عندما أمسكت بزمام الحكم، من دون أن تتولى السلطة، بتنظيمها فترة حكم انتقالية تستمر عامين، وذلك عبر «إعلان دستوري» صدر عنها في حفل كبير في القصر الرئاسي اليمني.


لا شك في أن كثراً سيصفون ما جرى بكونه انقلاباً. لكن معطيات الأسابيع الماضية، تظهر أن نشاط الجماعة كان يتمحور حول تثبيت وضعيتها الجديدة في اليمن، على قاعدة الشراكة. إلا أن استقالة الرئيس والحكومة، جاءت لتضغط عليها بواسطة الفراغ، دافعةً إياها نحو الغرق في الفوضى، في الوقت الذي تستعد فيه قوى داخلية للبدء بصراعات مسلحة مع الحوثيين. «أنصار الله»، فهمت اللعبة، على ما بدا واضحاً. انتظرت نتائج الحوار بين الأحزاب السياسية برعاية دولية، للتوصل إلى حلٍّ ينقذ البلد من الفراغ. أعلنت مهلة أيامٍ ثلاثة للضغط على المتفاوضين. غير أن قوى معينة، في مقدمها حزب «الإصلاح» (إخوان مسلمون)، قابلت مهلة الحوثيين بمزيد من المماطلة والتسويف، مصرّةً على ترك البلاد في حالة شللٍ تامة.

أول صعود لقوة مناوئة للسعودية إلى الحكم منذ حل دولة الجنوب


كيف ستتعاطى واشنطن مع
حكم أصحاب شعار
«الموت لأميركا»؟

كان لا بد من الحسم الذي جاء هذه المرة من القصر الرئاسي في صنعاء، حيث أعلنت «اللجنة الثورية» التابعة لجماعة «أنصار الله»، عصر أمس، «الإعلان الدستوري»، في احتفالٍ حاشد. الإعلان ينظم المرحلة الانتقالية في اليمن، بعدما عاشت البلاد فراغاً لأسبوعين. ينص الإعلان على حلّ البرلمان وتشكيل مجلس وطني انتقالي من 551 عضواً، «يُشكَّل من اللجنة الثورية»، ويحل محل البرلمان، ويشمل المكونات غير الممثلة فيه. ثم ينتخب المجلس الوطني، «مجلس رئاسة» مكوّن من 5 أعضاء يتولى رئاسة الجمهورية، على أن تصدّق عليه «اللجنة الثورية» التي يرأسها محمد علي الحوثي. ويكلف المجلس الوطني تشكيل حكومة انتقالية من الكفاءات الوطنية. كذلك، تتفرع «لجان ثورية» إلى المديريات والمحافظات اليمنية كافة.
الإعلان الذي رآه البعض بمثابة «بيان رقم واحد»، تضمّن، فضلاً عن الإجراءات المذكورة، إشارتين هامتين: أولاً، هو حدد التزام الدولة خلال مدة أقصاها عامان، العمل على إنجاز استحقاقات المرحلة الانتقالية بالاستناد إلى مرجعيتي الحوار الوطني واتفاق «السلم والشراكة»، من دون ذكر للمبادرة الخليجية، ما يعني نسفاً للعملية الانتقالية السابقة بالكامل، واستكمالاً لإنهاء عهد الوصاية السعودية ـ الأميركية على مؤسسات الدولة وآليات الحكم في البلاد. ثانياً، تضمن تحديداً لشكل السياسة الخارجية، التي ستقوم بموجبه، على «التزام مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واعتماد الوسائل السلمية في حل المنازعات».
ولكن لماذا «الإعلان الدستوري» الآن؟
منذ سيطرة «أنصار الله» على العاصمة اليمنية صنعاء، تساءل البعض: «ماذا يريد الحوثيون؟». كان تقدّمهم الميداني الذي لم يواجه مقاومة تذكر، لافتاً بحجمه وسرعته، ومثيراً لأسئلة عن سبب امتناع الحوثيين عن تسلّم السلطة في البلاد، رغم قدرتهم على ذلك.
تقدَّم عناصر الجماعة تحت مسمى «اللجان الشعبية» من محافظة عمران شمالاً، حتى صنعاء، ثم الحُديدة الساحلية غرباً، وصولاً إلى البيضاء وإب في الوسط، حيث يخوضون معارك مع تنظيم «القاعدة». استطاعوا طرد آل الأحمر، محجّمين حزب «التجمع اليمني للإصلاح»، ثم اكتفوا بعقد اتفاقية «السلم والشراكة» مع الرئاسة اليمنية. لم يطلبوا أكثر من «احترام» وضعيتهم الميدانية الجديدة في اليمن، بعد عقود من التمييز والاضطهاد والحروب. غير أن «دولة ما بعد المبادرة الخليجية»، استكثرت على الحوثيين مطلبهم في الشراكة، ماضيةً في قراراتها وأدائها على قاعدة الوصاية.
قد يكون أهم ما ينطوي عليه إنجاز الحوثيين يوم أمس، هو أبعاده الإقليمية. أن يحكم الحوثيون اليمن، ليس بالأمر السهل، أو العابر. فهي المرة الأولى منذ سقوط دولة اليمن الجنوبي عام 1991، التي تتمكّن فيها قوة مناوئة للسعودية من الصعود إلى الحكم بهذا الشكل، في بلدٍ يُعتبر خاصرةً للمملكة، ويمتلك ثقلاً استراتيجياً وأمنياً كبيراً، تأتي في مقدمته أهمية مضيق باب المندب ودوره.
أسئلة كثيرة يمكن طرحها اليوم، في مرحلة ما بعد حكم الحوثيين. أولاً كيف سيتصرّف «رعاة المبادرة الخليجية»، وفي مقدمتهم السعودية، رداً على «الإعلان الدستوري»، خصوصاً في ظلّ الإشارات التي بدأت ترد عن اتصالات بين الرياض والجماعة، في ما يشبه «تسليماً» سعودياً بالواقع الذي فرضه الحوثيون في اليمن، وقراراً ببدء التعاطي مع الأحداث بواقعية، لاقتناص ما يتيسّر من مكتسبات، خصوصاً في ما يتعلّق بالجنوب اليمني، حيث تصبّ المملكة جلّ اهتمامها اليوم، داعمةً مطالبه بالانفصال.
ثانياً، كيف ستتعاطى الإدارة الأميركية عملانياً مع الحدث اليمني، بعد إعلانها مساء أمس رفضها قرار الحوثيين حلّ البرلمان. فالآن من المفترض أن يحكم اليمن، أصحاب شعار «الموت لأميركا»، بعدما كانت صنعاء إحدى أهم حلفاء واشنطن في منطقة شبه الجزيرة، في إطار «مكافحة الارهاب».
أما على المستوى الداخلي، فلا شك أن تحديات كبرى تنتظر الحوثيين، خلال العامين اللذين حددوهما مدةً للحكم الانتقالي. إرهاصات ردود الفعل الداخلية، بدأت بالظهور ليل أمس، حيث أعلنت قبائل مأرب اللجوء إلى السلاح، رافضةً «الخضوع للحوثيين»، وهو ما كان متوقعاً، حيث ستترجم قوى داخلية موقفها من حكم الحوثيين، عبر تسعير بعض الجبهات التي تخوض فيها الجماعة معارك، إما بواسطة «القاعدة» في وسط البلاد، أو بواسطة «عناصر تكفيرية»، بحسب وصف الحوثيين، في استدراجٍ لـ«معركة مأرب» التي باتت قاب قوسين أو أدنى. خصوصاً أن «أنصار الله» تؤكد نية بعض الأطراف تفجير الوضع في المحافظة الأغنى بالنفط في اليمن.
في جميع الأحوال، نجح الحوثيون في استكمال «حراكهم الثوري»، بعدما فهموا أن قوى خارجية وداخلية لا تريد إشراكهم في السلطة. خطّ حراكهم الذي بدأ منذ الصيف الماضي نهاية فصول الهيمنة الخليجية على اليمن، ليتوّج يوم أمس بـ«الإعلان الدستوري»، الذي أعلن بداية مرحلة جديدة كلياً. وفي انتظار ترجمة مواقف القوى الدولية والإقليمية من هذا الإعلان، لا شكّ أن الفترة المقبلة ستكون صعبة على اليمن واليمنيين، خصوصاً، إذا احتكمت هذه القوى إلى خيار السلاح انتقاماً من الحوثيين.




رئيس «اللجنة الثورية»... معتقل سابق

يرأس محمد علي الحوثي «اللجنة الثورية العليا» التابعة لجماعة «أنصار الله»، التي ستدير المرحلة الانتقالية. ما يعني أنه سيكون عملياً مشرفاً على البلاد خلال الفترة المقبلة. ولد الحوثي عام 1979، في منطقة صحيان محافظة صعدة، معقل الحوثيين. وهو أحد أبرز القادة في الجماعة، ويتمتع بعلاقات سياسية واجتماعية واسعة، فضلاً عن كونه عُرف بنشاطه السياسي خلال «ثورة فبراير» عام 2011، حين أشرف على ساحات الاعتصام والتظاهر. اعتقله الأمن السياسي لمدة 4 سنوات بتهمة «الانتماء إلى أنصار الله»، كما أُوقف في الأردن، قبل أن يُرحَّل إلى اليمن عام 2002، كأول سجينٍ بتهمة ترداد شعار «الصرخة» الخاص بالجماعة (الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام)، وذلك قبل الحروب بين الدولة اليمنية والحوثيين.