كشفت التجربة السياسية لحركة «حماس» مع الوسط العربي، المسمى «المعتدل» أو القريب من تيار الإخوان المسلمين، أن الحاضنة الإيرانية أكثر ثباتاً في موقفها من فلسطين ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وبشهادة قيادات في «حماس»، فإن العدوان الأخير، والثالث خلال ست سنوات على غزة، أظهر أن «محور الاعتدال العربي» الذي حاولت الحركة التقرب منه وصنع علاقات معه، وقف ضدها خلال الحرب.


على هذا، تكثفت اللقاءات بعد انتهاء الحرب بين قيادات حمساوية وبين المعنيين بالملف الفلسطيني في بيروت وطهران. في الأخيرة، وصل الطرفان إلى ما يمكن تسميته «وثيقة تفاهم» تضمنت نقاطاً عديدة، أبرزها: منع انعكاس الصراع في سوريا على العلاقة بين «حماس» ومحور الممانعة، وتمويل المقاومة الفلسطينية وتسليحها، وتحديداً كتائب القسام بأحدث الأسلحة لمواجهة أي عدوان جديد. في الأيام الماضية، كان الإعلام العبري يردد أن الجمهورية الإسلامية استأنفت «بعد انقطاع عامين» إرسال الأموال إلى «حماس».

«حماس» اتخذت إجراءات بحق بعض من يشوش على تحسين العلاقة بالمحور

عموماً، إن بنود التفاهم كانت، فلسطينياً، خلاصة «مراجعة داخلية حمساوية طويلة» (راجع العدد ٢٤٢٦ في ٢٣ تشرين الأول ٢٠١٤) خلصت إلى أن «أغلب الدول العربية كانت ضد غزة في الحرب الأخيرة»، لذلك يقول قيادي في «حماس»، إن «مصلحتنا تقتضي الوقوف مع من يمدنا بالسلاح». من هنا طلب الوفد الحمساوي من الإيرانيين تسليح «القسام» بصواريخ أرض ـ أرض عالية الدقة، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للطائرات.
«وافق الإيرانيون على طلبنا»، يقول أحد المتابعين للزيارة، «لأن تجربة الحرب ومراجعة مجرياتها أكدت أننا بحاجة إلى صواريخ موجهة تصيب أهدافاً في العمق الإسرائيلي وتسبب أضراراً أكبر، فلم تعد تنفع الصواريخ العشوائية». وبالنسبة إلى أبناء القسام، فإن التسلح بهذه الصواريخ صار ضرورة ملحة، وخصوصاً أن المقاومة تتدرب وتتسلح كأن الحرب واقعة غداً. ويتوقع مسؤولون في الحركة «نشوب حرب مع العدو في الأمد القريب، بسبب الضغوط على الغزيين». هذا ما أشار إليه يوم أمس المتحدث باسم الحركة، سامي أبو زهري، حينما أشار إلى أن «استمرار الحصار سيدفع حماس إلى أعمال قد توصف بأنها مجنونة».
إلى جانب الحاجة إلى التسلح، جرى النقاش حول وقوف الدول العربية ضد «حماس» ومساهمتها في إطالة أمد الحرب على غزة، بالإضافة إلى الضغط السعودي على قطر لقطع علاقة الأخيرة بجماعة «الإخوان»، رغم طمأنة الدوحة المستمرة للقيادات الحمساوية إلى أن العلاقات الثنائية لن تتأثر بالضغوط. ومن هنا ظهرت ضرورة إعادة تموضع الحركة، وهو ما قطعت فيه شوطاً كبيراً مع الإيرانيين وحزب الله، فبات لا ينقصها سوى إتمام زيارة رئيس المكتب السياسي، خالد مشعل، لطهران.
تقول المصادر نفسها، إن «الزيارة كادت أن تحصل، وما أخرها هو الاختلاف بين طهران والحركة على تحديد جدول أعمال الزيارة» (راجع العدد ٢٤٨٩ في ١٠ كانون الثاني)، إذ تريد «حماس» أن يكون استقبال مشعل لائقاً. «زيارة لا يلتقي فيها أبو الوليد مرشد الثورة ورئيس الجمهورية هي كالصلاة من دون وضوء»، طبقاً لوصف أحد المسؤولين في «حماس». في المقابل، أكد الإيرانيون للقيادات الزائرة أن «استقبال مشعل سيكون بمستوى الرجل»، لكن تخوف «حماس» من احتمال أن لا يحدث اللقاء «أجّل الزيارة إلى حين التأكد أن أبو الوليد سيلتقي المرشد». تستدرك مصادر في الحركة أن «ما نطالب به ليس لسواد عيون مشعل، بل لأنه يمثل حركة وتياراً كبيراً على الأرض».
وفيما لا تزال مصادر إيرانية عاملة في بيروت تؤكد أن «علاقة طهران بحماس جيدة جداً»، فإن اغتيال العدو ستة من مقاومي حزب الله، في منطقة القنيطرة السورية، وضع العلاقة بين الحركة والمحور في دائرة الاختبار مجدداً. أجاب القائد العام لكتائب القسام، محمد الضيف، عن ذلك الاختبار ببرقية تعزية إلى الأمين العام للحزب، السيد حسن نصرالله، ما قاد إلى عاصفة سياسية على المستوى الخارجي، وحتى الداخلي، إلى حدّ وصل تكذيبها!
البرقية تضمنت عبارات تعكس دفء العلاقة بين المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، بالإضافة إلى الاستراتيجية التي ترسمها المقاومتان لمستقبل المواجهة مع العدو، وهو ما شارك فيه الضيف بالقول، إن «على كل قوى المقاومة في الأمة أن تدير معركتها المقبلة يداً واحدة وأن تتقاطع نيرانها فوق أرضنا المحتلة». وبالطبع، هذه العبارات ليست شعراً، فالمرسل قائد عسكري، والمستلم قائد مقاومة، لذلك إن كل كلمة في البرقية مدروسة، وخصوصاً أن عيون العدو تراقب أحوال الضيف منذ محاولة اغتياله. لذا، تشدد المصادر على أنه «عندما يقول الضيف (وأن تتقاطع نيرانها فوق الأرض المحتلة)، فكلامه ليس عبثياً»، متابعة: «عندما يقول السيد نصرالله إن محور المقاومة واحد من إيران إلى فلسطين، فكلامه ليس عبثاً أيضاً». في بيروت يسعى الطرفان إلى توطيد علاقتهما لتنفيس الاحتقان المتبادل بين أنصارهما، لذلك تنوي «حماس» في الأيام المقبلة عقد لقاءات مع كوادرها لـ«إعادة تأهيلهم بما يسمح بتخفيف الاحتقان لدى القاعدة»، وفق مسؤول في الحركة. هذه اللقاءات بين قيادات «حماس» وكوادرها ليست مقتصرة على الساحة اللبنانية، إذ توجد نية «لإعادة التأهيل» في مختلف أماكن وجود الحركة.
كذلك تقر مصادر في «حماس» بأن من «أسهم في تسهيل زيارة الوفد الحمساوي لإيران هما السيد نصرالله ورمضان شلّح (الأمين العام للجهاد الإسلامي)، اللذان يعملان معاً على تحسين العلاقة مع حماس». هنا يضيف أحد المتابعين للتطورات الأخيرة، أن «الذهنية الإيرانية الباردة، التي تفكر على المدى البعيد، تختلف عن الذهنية العربية العاطفية التي تعمل بمنطق الثأر، لذلك إن الدعم الإيراني لحماس لن يتوقف بسبب الخلاف على الملف السوري»، مستدركاً: «لا يمكن الجمهورية الإسلامية التخلي عن كتائب القسام حتى لو اختلفت طهران مع المكتب السياسي لحماس».
وما يبقى، أن «حماس» تواجه حالياً صعوبات داخلية في إتمام عودتها إلى محور المقاومة، خصوصاً من أنصارها الموجودين في سوريا أولاً، ثم «التيار السلفي» في غزة. وفي الأولى، أنشأ أولئك صفحات على «الفايسبوك» لمعايرة الحركة في هذه القضية، معتبرين أنها «خانت إرادة الشعب السوري»، بالتزامن مع هجوم من القوى السورية المناوئة على شخص خالد مشعل.
وبشأنهم جميعاً، تؤكد المصادر الأولى أن كل هذه الأصوات، «بغض النظر عن مستوياتها ومسمياتها»، فهي «لا تلقى أي صدى لدى قيادة الحركة التي اتخذت قراراً بالإجماع على توطيد العلاقة مع محور المقاومة مهما كلف ذلك»، مؤكدة أنه «اتخذت إجراءات بحق بعضهم، وسيحاسبون رسمياً... أما الذين يدورون في فلك الحركة، فلا نتحمل مسؤوليتهم ولا يؤثرون في تحسين العلاقات».