عثمان بدر

كنت صغير السن، وكانت الثورة الفلسطينية في سنوات انطلاقتها الأولى، إذ إننا، أي أنا والثورة، في السن نفسها تقريباً. وكان أهل المخيم عندنا يتحلقون حول "الفدائي الفلسطيني" العائد من خدمته في "الأردن" أو في "الهامة السورية" أو مناطق "العرقوب" في جنوب لبنان، كمن يتحلّق حول "كانون النار" في شهرَي كانون الأول والثاني، ويتسابق المتسابقون للمسه أو الجلوس بقربه كمن "يتبارك" به، وكان أعمامي في عداد "الفدائيين"، وكنت مأخوذاً بشكل "البدلة العسكرية المرقطّة" وهيبتها، ولا سيما "الصحراوية" منها، وأنتظر الساعات والدقائق والأيام والأشهر والسنوات أن تمر بسرعة كي أكبر وأرتدي واحدة منها، وخاصّة أنني كنت أعتقد أن هذه "البدلة" لا يرتديها إلا الأبطال، وأسرح بفكري بعيداً بعيداً، وأعمامي يحدثوننا في السهرات العامرة عن المعارك التي خاضوها ضد العدو الصهيوني في "الهبارية" و"كفرشوبا" و"كفرحمام" وسواها.

كان العمل "الثوري" في أوج تألقه ومجده، فكيفما أدرت الوجه في المخيم، تصدح الأغاني الوطنيّة والأناشيد الثوريّة، حتى في المدارس فلم نكن ندخل الصفوف إلا بعد تلاوة "النشيد الوطني". كنت أعشق بالمعنى الحرفي لكلمة عشق أغنية "هذا هو ردّي"، ولكن لم أكن أعلم لماذا كنت على اقتناع راسخ بأن المغني يقول "هذا هولندي"، وكنت أدندنها على هذا الأساس.
وفي أحد الأيام أرسلت جدتي ــ طيّب الله ذكرها ــ بطلبي، وقد امتثلتُ لأمرها فوراً ودون تباطؤ، وذهبت الى بيتها القريب من بيتنا، فكلفتني بأن اشتري لها نصف كيلو من "البرغل الأحمر"، وكان من عادة "الختايرة" أن يضعوا النقود في "صرّة" تحت الثياب، وربما يتمّ "لفها" مئة مرة خوفاً من سقوطها وضياعها. وفيما كانت جدتي تقوم بعملية «إنزال» بري «لاستخراج» صرّة النقود من عبّها، وجدتها مناسبة أن أدندن بأغنيتي المفضّلة. وحالما قلت "هذا هولندي"، انهالت عليّ جدتي بعصاها ضرباً، قائلة: "أنا بقرة هولندية يا ابن..."، وكان من عادتها أن تحتفظ بقربها بعصا طويلة هي عبارة عن "قصبة" لتتمكن من "غريمها" دون النهوض، إذ إنها كانت "سمينة" بحدود معينة وصحتها لا تساعدها على الوقوف...
عبثاً حاولت إقناع جدتي بأني لا أعنيها وأن الأغنية تقول ذلك، وكانت مصرّة على أنني أقصدها، ولا سيما أنها بدينة. وكنت في كل مرة أقترب لأخذ النقود منها لأنفذ المهمة الموكل بها، أقع "تحت مرمى نيرانها"، أبتعد قليلاً، فتنهال عليّ بالشتائم والسباب والتهديد والوعيد بأنها سوف تبلغ والدي، وهنا تكمن الطامة الكبرى. وبعد تدخلات من بعض الأقارب، رمت لي الفلوس جانباً وذهبت لأشتري لها ما تريد...
تقصّدت أن أتباطأ قليلاً في الذهاب والإياب لأنني أعرف ما ينتظرني عند عودتي. نفذت المهمة بنجاح وأعطيت "كيس البرغل" لابن عمي الأصغر ليعطيه لجدتي وتوجهت نحو البحر، حيث أمضيت بضع ساعات، ولكن كان لا بد من العودة الى المنزل حيث ينتظرني عقاب والدي لإهانتي والدته، وكان أن "ربطني" وأنا "أحتضن العمود" وجلدني على مؤخرتي، ما أنساني الأغنية وكلماتها وربما كنت قد نسيت اسمي. لم أجرؤ حتى على الدفاع عن نفسي كي لا أقع بتهمة جديدة وهي "تكذيب" جدتي.
ازداد عشقي للأغنية، رغم أنها تسببت لي بألم ووجع وكنت مصراً على دندنتها، ولكني تقصّدت أن أفهم كلماتها فحفظتها على حقيقتها كاملة، وأيقنت أن جدتي على حق ولم "أزعل" منها لأنني كنت أحبها وتحبني، والأقرب الى قلبها من أحفادها، ولطالما قلت في قرارة نفسي إنني "بستاهل" ما حلّ بي لأني كنت "أعهّر" أغنية ثورية، وكان لا بد لي من عقاب على ما اقترفته لأفيق من غيبوبتي "الخنفشارية"!
اليوم، وبعد أكثر من أربعين عاماً على هذه الحادثة، اكتشفت أن جدتي ووالدي كانا على خطأ، وأنني قد عوقبت ظلماً وعدواناً لأن الصحيح "هذا هولندي"، فـ"ردي" كان أكذوبة ولم يصل رغم مرور عشرات السنين الى العدو.
وفاتني أن أبلغ "أعمامي الشهداء" أن "اللص أصبح يرتدي ثوب المقاتل" وأن "القائد الموهوب أضحى كالمقاول" وأن "بذلاتهم العسكرية المموّهة" لم تعد تغريني ولا تغري سواي، وبات من يلبسها محط سخرية أبناء المخيم، وأنها باتت تستخدم كـ"مماسح"!