على مدى سنوات عديدة، ظلّت المعلومات التي نسخها المهندس المعلوماتي، إرفيه فالشياني، الذي كان يعمل في الفرع السويسري للمصرف البريطاني «إتش اس بي سي»، حكراً على القضاء وعلى بعض المصالح الضريبية، ولو أن بعض العناصر قد تسربت إلى الصحافة. لكن ما كشفه تحقيق نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية بالتنسيق مع الصحافة الدولية، أخيراً، يؤكد أن السرية المصرفية السويسرية لم تسمح بالتهرّب الضريبي فحسب، بل غطّت كذلك أنشطة إجرامية واسعة النطاق على غرار تبييض أموال المخدرات أو تمويل الإرهاب الدولي.

الفضيحة التي عرفت باسم «سويس ليكس» استندت إلى معلومات سرقها فالشياني عام 2007، عندما كان موظفاً في مصرف «اتش اس بي سي» في جنيف، ووصفتها «لوموند» بأنها مع ما تحويه من المعلومات «كفيلة بإحراج عدد من الشخصيات، انطلاقاً من الممثل المغربي الفرنسي الساخر، جاد المالح، وصولاً إلى ملك المغرب، محمد السادس، مروراً بالممثل الأميركي جون مالكوفيتش؛ ولكن أكثر من ذلك كله، هي قادرة على هزّ الأوساط المصرفية العالمية ككل».

وهذا ما حصل بالفعل. فبعد نشر هذه البيانات تعالت الأصوات في سويسرا وعدد من الدول الأوروبية، مطالبة بملاحقة مصرف «اتش اس بي سي» سويسرا، الذي لم تُتَّخَذ إجراءات بحقّه في سويسرا بعد، فيما سبق أن فتحت تحقيقات بشأنه في بلجيكا وفرنسا.

حسابات 106 آلاف شخص بينهم
الصفدي والمر

ردّ المصرف على هذه المعلومات، مؤكداً أنها تتعلق «بالماضي». وأشار إلى أن «مصرف سويس برايفت التابع لاتش اس بي سي بدأ بإدخال تغييرات جذرية في عام 2008 لمنع استخدام خدماته للتهرّب من الضرائب أو لغسل الأموال»، مقراً بوجود «مخالفات سابقة».
لكنّ ذلك لن يلغي ما حصلت عليه «لوموند» من وثائق تشمل بيانات مصرفية لأكثر من 106 آلاف من زبائن فرع المصرف في سويسرا من نحو 200 بلد. وتتضمن هذه الوثائق سجلات معلومات تظهر كيف ساعدت أكبر مؤسسة مصرفية في أوروبا، حتى عام 2007 بعضاً من هؤلاء الزبائن على إخفاء مليارات الدولارات تجنباً لدفع الضرائب. ووفق ما روى أحد الصحافيين اللذين عملا على الملف لوكالة «فرانس برس»، فقد تعاونت الصحيفة التي «غرقت» في عدد الوثائق مع شبكة عالمية من نحو 150 صحافياً عبر «منتدى مشفر» للكشف عن نظام التهرب الضريبي الذي أدارته «اتش اس بي سي» سويسرا، والذي استخدمه عدد من الشخصيات الفرنسية والأجنبية. ووضعت «لو موند» الوثائق في تصرف «الشبكة الدولية للصحافيين الاستقصائيين» في واشنطن، التي خضعت لتحليل 150 صحافياً تقريباً من 50 وسيلة إعلامية، مع ما تحويه من معلومات شخصية عن الزبائن وملاحظات المصرفيين وحركة الحسابات.
على الموقع المخصص لهذه الوثائق، يأتي لبنان في المرتبة الثانية عشرة، حيث وصلت قيمة أرصدة الحسابات السرية المسربة إلى 4.8 مليارات دولار (4450 حساباً مصرفياً، 236.6 مليون دولار هي قيمة أكبر رصيد بين هذه الحسابات). تسبق لبنان، في المرتبة 11، المملكة العربية السعودية مع أرصدة بقيمة 6 مليارات دولار (مع وجود حساب واحد برصيد يبلغ نحو 700 مليون دولار). لكن المفارقة أن لبنان يبقى سباقاً نسبة إلى دول عربية أخرى ثريّة، منها الإمارات المتحدة التي يصل مجموع الأرصدة التابعة لها إلى 3.5 مليارات دولار (أعلى رصيد 800 مليون دولار).
ومن أبرز الأسماء التي وردت في مختلف وسائل الإعلام، إضافة إلى العاهل المغربي محمد السادس، كان العاهل الأردني عبدالله الثاني والأمين العام السابق لمجلس الأمن الوطني السعودي، بندر بن سلطان، فضلاً عن شخصيات من عالم الأزياء والفن والرياضة. أما على المستوى اللبناني، فقد ذكرت وسائل الإعلام وزير المالية السابق، محمد الصفدي، ووزير الدفاع السابق، الياس المر (رئيس مؤسسة «الإنتربول» لعالم أكثر أماناً). كذلك، كشفت «لو موند» عن سعوديين يشتبه في تمويلهم أسامة بن لادن في مطلع الألفية الثانية.
صحيفة «لو تان» السويسرية، نشرت أسماء شخصيات سياسية أو على علاقة بالأوساط السياسية مثل: رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري، بشار الأسد، والوزير المصري السابق للتجارة والصناعة، رشيد محمد رشيد، الذي حكم عليه في حزيران عام 2011 بالسجن خمس سنوات بتهمة هدر المال العام في مصر. كذلك شاركت في سويسرا صحف مثل «ليبدو» و«لو ماتان ديمانش» و«تاغس-انتسايغر» و«سونتاغ تسايتونغ» في نشر «سويس ليكس».
كل ما نشر سيعقبه الكثير من الحقائق والمعلومات. فبحسب الموظف السابق في مصرف «اتش اس بي سي»، ارفيه فالشياني، «ما نشرته وسائل الإعلام ليس سوى جزء بسيط مما تفضحه الوثائق التي سلمها إلى الحكومة الفرنسية».
وفي مقابلة مع صحيفة «لو باريزيان»، أكد فالشياني، أمس، أن هذا «ليس سوى البداية». فالشياني الملقب بـ«سنودن التهرب الضريبي» و«الرجل الذي يخيف الأغنياء»، يتعرّض أيضاً للملاحقة القضائية في سويسرا بتهمة السرقة. وقد عرضت عليه كل من فرنسا وإسبانيا الحماية عبر رفض تسليمه إلى سويسرا.
(الأخبار، أ ف ب)




أسماء وأرقام

إلياس المر

وفق ما يشير موقع «الشبكة الدولية للصحافيين الاستقصائيين»، فإن الوزير الأسبق إلياس المر كان لديه رصيد في المصرف، في عام 2004، تابع لشركة اسمها Callorford Investments Limited. في عام 2006 و2007، احتوى هذا الحساب على 42 مليون دولار. ونقل الموقع عن متحدث باسم المر قوله إن «هذا الأمر معروف لكل الناس. لدى عائلة المر حسابات مصرفيه في سويسرا قبل أن يولد إلياس المر». وأضاف المتحدث أن «هذا الحساب غير مرتبط بعمل (الياس المر) السياسي».

محمد الصفدي

بحسب ما تشير الوثائق، فإن هذا الأخير يملك حساباً يحتوي على 75 مليون دولار.
السياسي السابق ومؤسس مجموعة «إندفكو»، جورج إفرام
وفق الوثائق، فقد استخدم الوزير الأسبق الذي توفي في عام 2006، باسبوره الدبلوماسي لفتح حساب في المصرف، وأصبح زبوناً في عام 2001. كان مرتبطاً بحسابين، أحدهما احتوى على 3.37 ملايين دولار.

بندر بن سلطان

أصبح عميلاً في المصرف، في حزيران من عام 1999، وكان على علاقة بأربعة حسابات عملاء، كما أنّه المالك المستفيد لحساب باسم Kafinvest Operating Limited أنشئ في عام 2005. أدرج في حساب العميل ثلاثة حسابات مصرفية بلغت قيمتها 15.6 مليون دولار، بين عامي 2006 و2007. وقد تمّ إغلاق حسابين في عام 2000، أمّا الثالث فبلغ ميزان المدفوعات فيه صفراً.

الملك محمد السادس

أصبح محمد السادس عميلاً لدى «اتش اس بي سي» في عام 2006. ووفقاً للملفات الداخلية، ارتبط ملك المغرب بحساب رقم 45500MK مرتبط بخمسة حسابات مصرفية تبلغ قيمتها 9.1 ملايين دولار بين عامي 2006 و2007. كذلك يمتلك عدد آخر من أفراد العائلة المالكة في المغرب حسابات في المصرف نفسه.

الملك عبدالله الثاني

أصبح عميلاً في «اتش اس بي سي»، عام 2006، من خلال حساب أنشئ في عام 2004 باسم مسؤول كبير في القصر، وتمّ ربطه أيضاً بثلاثة حسابات مصرفية. بلغت قيمة الحساب بين عامي 2006 و2007 نحو 41.8 مليوناً.

السلطان قابوس

أصبح عميلاً لدى المصرف في عام 1974، ويملك 4 حسابات خاصة متّصلة بـ10 حسابات مصرفية بلغت قيمتها، بين عامي 2006 و2007، نحو 44.6 مليون دولار. ومن بين الحسابات الخاصة الأربعة، يحمل حسابان اسمه، وحساب مرقّم، وحساب باسم The Yacht Squadron Oman Limited هو مالكها المستفيد.