محمد حسنين هيكل، الصحافي الأقدم في مصر، بات «عدوّاً للنظام». هذا ما بدا من تجميد صدور صحيفة «الشروق» التي يُعدّ «الأب الروحي» لها


وائل عبد الفتاح
«شبح هيكل»، ربما كان السبب المنطقي الوحيد لتعطيل إصدار صحيفة «الشروق» اليومية. قرار التعطيل كان مفاجأة أدهشت أوساط كثيرة لم تستطع تفسير التراجع عن الترخيص بعد أقل من شهرين. الصحيفة مملوكة لشركة مساهمة واجهتها المعروفة هي إبراهيم المعلم، أحد ملّاك دار «الشروق»، أشهر دور النشر في مصر والعالم العربي. لكنه أيضاً شخصية قريبة من مراكز السلطة، بدءاً من لجنة السياسات، أهم مراكز القوى في الحزب الوطني الحاكم، إضافة إلى النادي الأهلي، السلطة الحاكمة في الرياضة.
إبراهيم المعلم هو «رمانة ميزان» قوية، كان من المفترض أن تُطمئن الأجهزة المراقبة لحركة الصحافة المستقلة. رغم هذا، تأخّرت الرخصة بعض الوقت. أمرٌ بدا للمقرّبين أنه «محاولة للحصول على مزيد من الضمانات بعدم الانفلات أو الوصول إلى حالة الخروج الكامل عن مدارات السلطة».
وهذا سرّ المفاجأة بتعطيل الرخصة بعد صدورها. أسباب أخرجها محترفون من مخزن البيروقراطية. وكما تسرّب عن الاجتماع الأخير للمجلس الأعلى للصحافة، فإنّ المتحمّس لتعليق الترخيص، كان رئيس حزب التجمع رفعت السعيد، والصحافي صلاح منتصر.
الاعتراض المعلن هو أن من بين المساهمين في الشركة، صحافيين، ما يخالف قانون نقابة الصحافيين. لكن ما علاقة الترخيص بقانون النقابة؟ سؤال مرّ على لسان المستشار محمد الدكروري، المعروف بأنه محامي الرئيس حسني مبارك.
اعتراضات السعيد ومنتصر أثارت تكهّنات أكبر من فكرة الأسهم التي يملكها أحد الصحافيين في الشركة، (الأسهم تخص الصحافي الرياضي المعروف حسن المستكاوي، وقد أعلن أنه تنازل عنها).
لكن اعتراض الدكروري (المقرّب مباشرة من الرئيس)، أربك التصور الذي كان يقول إن الاعتراض سيناريو من اختراع جهات سياسية تريد تعطيل إصدار صحيفة قد يكون لها علاقة بالصحافي الأشهر في مصر، محمد حسنين هيكل الذي يرى البعض أنه الأب الروحي للصحيفة، معتمدين على علاقته الوثيقة بدار «الشروق»، ناشرة كتبه، وباعتبار ابنه أحمد هيكل هو أحد أكبر المستثمرين في الشركة المالكة للصحيفة، بنسبة 40 في المئة.
هل الخوف من هيكل سياسي، على خلفية أبوّته الروحية لفريق العمل الذي يرأسه الكاتب المعروف سلامة أحمد سلامة، وهو فريق أشيع أنه اختير بمزاج قريب من هيكل؟ أم من خلال التأثير المالي لابن هيكل في الشركة، وهو تصور ساذج بالنسبة إلى العالمين بكواليس الكيانات المالية الكبيرة، بينها «القلعة» و«هيرميس»، وهي شركة للأوراق المالية ويشارك في رئاسة مجلس إدارتها حسن، الابن الثاني لهيكل، وقيل كثيراً عن شراكة جمال مبارك ضمن أعضائها المؤسّسين؟
هذا يعني أن هناك خطوطاً مالية بين عائلة هيكل والكتلة الأساسية من «البيزنس» المقرّب من إشراف السلطة السياسية. وهو اقتراب لا تفسده الحرب الباردة بين مبارك وهيكل. إذ ظلّت العلاقة بينهما في حدود صحافي بعيد عن السلطة، أو رجل دولة من عهد سابق، ورئيس لم يحلم أبداً بأكثر من منصب تكريمي بعد الحرب.
فشلت مشروعات عودة هيكل للكتابة في الصحف القريبة من النظام. هوجم من رجال الرئيس الذي يخشون قفزة مفاجئة لهيكل إلى مقعد المستشار الأول، وذلك رغم الكلمات المرحّبة التي قالها هيكل على باب قصر العروبة عشية الإفراج عنه مع معتقلي الشهر الأخير في عهد أنور السادات. أسهمت كلمات هيكل في ترويج تصوّر شعبي بأن مبارك «عبد الناصر جديد». لكن نصائحه في أول لقاء بعد الخروج من المعتقل بيومين، تحوّلت إلى نقد متدرّج صنع أزمات شهيرة، منها قوله في مقابلة مع الصحافي البريطاني روبرت فيسك، «رئيسنا يعيش فى عالم خيالي في شرم الشيخ». وأيضاً «هذا الرجل لم يتكيّف أبداً مع السياسة. لقد دخل عالم السياسة عندما كان في الخامسة والخمسين، بعدما جعله السادات نائباً للرئيس قبل اغتياله. والآن هو رئيس منذ 25 عاماً، اقترب من الثمانين، ولا يزال عاجزاً عن تحمّل مسؤوليات الدولة».
كانت هي المرة الأولى التى يتحدث فيها هيكل عن «شخص» الرئيس بنبرة هجومية، لخّصت علاقة وضعت الصحافي الأشهر في مصر على قائمة «أعداء النظام» إلى الأبد. وترجمته هي: هجوم دائم من فرقة قنّاصة النظام في الصحافة، والحرب على وجوده في الصحافة والنشر. وهذا غالباً ما حرّك تقارير الأمن التي استوعبت الخريطة المعقّدة للصحيفة، واكتفت فقط بمطاردة شبح هيكل.