Strong>المرضى يفضّلون «الموت في بيوتهم» على اللجوء إلى وزارة الصحّة «الموبوءة أمنيّاً»

أخبار الكوليرا في العراق المحتلّ طويلة. ظنّ المواطنون أن موجة المرض التي ظهرت في العام الماضي في كل أرجاء البلاد ولّت. لكنّ المرض الذي يكاد يكون قد انقرض في العالم منذ مطلع القرن الماضي، عاد وظهر منذ نحو أسبوعين، رغم أنّ العراقيين لا يزالون يرونه أهون أمراض الاحتلال

بغداد ــ زيد الزبيدي
الأرقام عن أعداد الإصابات والوفيات من جراء الإصابة بالكوليرا، متضاربة، شأنها شأن كل شيء يتعلّق بالبيانات والأرقام في العراق المعاصر. حتى مسؤولو وزارة الصحة، لا يتّفقون على رقم واحد.
فبينما يؤكّد وزير الصحة العراقي صالح الحسناوي أن الإصابات الأخيرة لم تصل إلى مستوى الوباء الذي يستلزم إغلاق المناطق وإعلان الطوارئ، معلناً تسجيل 36 إصابة فقط بمرض الكوليرا في عموم المحافظات، ناقضه مدير الصحة العامة في الوزارة إحسان جعفر أحمد عندما أكّد أنّ 40 حالة جديدة ثبتت مخبرياً، أغلبها في الكرخ (أحد أحياء بغداد).
تضارب روتينيّ بين المسؤولين، أجبر الوزارة على إصدار بيان يحمّل الأشخاص أو الجهات التي تشير الى أرقام «غير صحيحة (عن الكوليرا)، المسؤولية القانونية»!
ولأنّ الوزارة هي «المسؤولة الحصريّة عن أي رقم»، على حدّ تعبير البيان، فإنّها اضطرّت إلى الاعتراف بأحدث أرقام انتشار المرض التي تؤكّد أنّ 68 حالة كوليرا هي موزعة اليوم على 40 إصابة في بابل و19 إصابة في بغداد ــ الكرخ و3 إصابات في الرصافة و4 إصابات في كربلاء وواحدة في النجف وأخرى في ميسان، مشيرة إلى أنّ عدد الوفيات هو 5، «وأغلب المصابين لم يستطيعوا الوصول إلى المستشفى».
إلّا أن رئيس لجنة الخدمات في مجلس محافظة بابل حسان محرج الطوفان يجزم على مسؤوليته بأنّ 20 مصاباً توفوا في محافظته فقط.
أغلب العراقيين يرون أنه من غير الإنصاف اتهام وزارة الصحة بالتعتيم على أعداد الإصابات بالمرض، والوفيات، والأماكن التي ينتشر فيها، إذ لا مصلحة لها أو للحكومة في ذلك، ولا سيما أن «البكائيّة» و«إبراز المظلوميات» حتى لو كانت «من الله»، باتت استراتيجية كاملة للسياسات الحكومية.
وبحسب الكثير من العراقيين، فإنّ وزارة الصحة بالذات، كانت حتى قبل شهور، من أكثر «الأماكن الموبوءة» أمنياً، فمن يصل إلى إحدى دوائرها، أو أحد مشافيها، مراجعاً أو زائراً أو مريضاً، أو حتى موظفاً مسؤولاً، لا يضمن العودة سالماً، بل قد لا يضمن العودة بالأساس.
وليست بعيدة الأحداث الكارثية في وزارة الصحة، التي من أبرزها ترقية مدير صحة ديالى علي المهداوي إلى منصب «وكيل وزارة»، وقبيل تسلمه المنصب، ذهب لمقابلة الوزير، فدخل مبنى الوزارة، ولم يعثر له على أثر حتى الآن.
وكذلك ما حدث لوكيل الوزارة عقيل الصفار، الذي خرج من مبنى الوزارة لزيارة عائلته، فداهمت منزل العائلة قوة أمنية، واقتادته إلى المصير المجهول حتى الآن أيضاً.
ويعترف الدكتور سالم الدملوجي بأن خيرة الكوادر الطبية والصحية هربت من الوزارة، خشية أن تطالها «يد المجهول»، الذي لم تكشف عنه السلطات الحكومية، أو لم تشأ الكشف عنه بسبب سياسات المحاصصة التي هي نهج حكومي رسمي.
ويذكّر الدملوجي بأنّ المرضى باتوا يفضلون تحمل الآلام، أو حتى الموت في بيوتهم، على مراجعة المشافي، التي شهدت مئات وربما آلاف من عمليات الخطف والقتل.
وفي موضوع الكوليرا، أبرز ما يلفت هو أنّ الحكومة وأجهزتها، التي تتمتّع بمليارات الدولارات، لا تزال عاجزة عن توفير أماكن للحالات المشتبه بأنها التقطت المرض، وحتى عن توفير الأمصال واللقاحات للوقاية منه، بينما كانت الأنظمة السابقة في العراق، تقوم بحملات لـ«التلقيح الإلزامي»، لا تستثني أحداً، بمجرد ظهور حالات مرض حتّى في دول الجوار.
ورغم شراسة المرض القديم ــ الجديد، فإنّ العديد من المواطنين يردّدون ما مفاده أن الكوليرا «من أهون الأوبئة التي أتت مع الاحتلال».


وطرق انتقال المرض تُختصَر بثلاث: تلوّث مياه الشرب بمجاري المياه المبتذلة. أو دخول الميكروب بطريقة مباشرة عبر الفم باستعمال أدوات ملوثة. كما ينتقل المرض عبر نوع من الذباب.
وفي العراق، ظهر أنّ سبباً إضافياً يؤدّي إلى انتشار المرض، وهو فساد الكلور المعقَّم الذي يُوضع في المياه لقتل الفيروس.
أمّا أشهر الأمراض الموجودة حالياً إضافةً إلى الكوليرا، فهي التشوّهات الخلقية والسرطان الناتجين من الأسلحة الأميركية التي استُعملَت في الغزو، علماً بأنّ التلقيح ضدّ الأمراض المعدية كان إلزامياً قبل 2003، لكن اللقاحات اختفت أو فسدت بسبب غياب الكهرباء.