كانت جدتي "سودة"، جبارة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. كنا نخافها، نحن الأحفاد، تماماً مثلما كان يفعل آباؤنا. لم تكن سمراء بشعر أسود داكن، فالاسم/اللقب، أطلق عليها كي يخفي حقيقة جمالها فلا تصيبها الأعين الحسودة وتشتت انتباه قوى الشر عنها، او الى حدٍ ما، هذا ما كان يؤمن به أجدادنا قبل النكبة. فقد ولدت "سودة" بيضاء البشرة بعينين يميل لونهما الى لون حجر الزمرد المزرق. أجل، كانت تشبه الليل والنهار في الوقت عينه، كذلك كانت طبيعة شخصيتها تتأرجح بين الطيبة والخشونة والأذى.


ما زلت أذكر يوماً حدثاً، لم يتكرر كثيراً معها، حين سمحت لي أن أنام بجانبها بعد أن وعدتني بقصة قبل النوم. كانت ليلة باردة بعض الشيء، دخلت غرفتها وكعادتها كانت تحمل الملقط الحديدي وتحرك الجمرات المشتعلة في الكانون، ما ان رأتني حتى التفتت الي وقالت: "ايش اللي نزلك ولي، أُغربي عند إمك"! لم يعنِ لي ما قالته شيئًا حينها، فبقيت متسمرة عند الباب للحظات ثم نطقت بجرأة: “ستي.. احكيلي حُكّاي". تبدلت ملامحها ببطء، ثم أفلتت الملقط من يدها ونادت عليّ أن أدس نفسي في فرشتها. هكذا، قامت ثم جلست بالقرب مني وقالت: "أنو حكاي وعدتك فيها ها؟". كان جوابي جاهزاً: "حكاية المعزاية".
لا أتذكر الكثير من القصة سوى انها عن عنزة وتيس أسود، تحاول المعزاة أن تعبر الجسر وفي كل مرة يخرج عليها التيس مانعاً إياها من العبور، بالإضافة الى بقايا الأغنية التي تعيد الي نبرات صوتها: "العنزة العنازية، إم قرون ملوية، كنّك شاطر تعى، ناطح بالبرية".
سألت شقيقاتي عما إذا كنّ يذكرن شيئاً من حكايات جدتي، فاستغربن السؤال. كل ما تذكره اخواتي هو شكاوى جدتي المصطنعة لأبي. تارة تقول بأنهن وسّخن الدار بالرمل والألعاب، وتارة أخرى تقول بأنهن قصصن شرشف الطاولة، فتثير غضب أبي الذي قلّما كنا نراه، فيأتي مثقلاً أحمر الوجه، ننظر من ثقب الباب حينما نسمع طقطقة مفاتيحه، فإذا ما نادى علينا، ركضنا الى فراشنا، غمرنا أنفسنا بالأغطية وشددنا على جفوننا لنمثل بأننا نائمون. لم يكن يصدق بأننا نائمون، فيطرق على الباب ويرسل امي الى غرفتنا لتتأكد.
في احدى المرات، نادت جدتي على أختي: "روحي جيبيلي الزردة والستية"، فدخلت المطبخ، لم تعرف ماذا تحضر لجدتي، اعتقدت ان هناك من الأغراض ما هو مكتوب عليه "زردة" و "ستية"، تفقدت الأشياء ولم تفلح في ايجادهما، فأخذت تبكي لأنها تعلم ان جدتي ستنهال عليها بالصراخ. عادت الى الغرفة وأخبرتها بأنها لم تجد الزردة ولا الستية. اعتقدت جدتي ان اختي تكذب عليها، فضربتها وجرتها أمامها الى المطبخ وقالت: “كل هالصحون والمعالق، وما لاقيتي ولا وحدة؟".
لا تختلف ذكرياتهن عما يحمله أبناء عمي من صور متيقظة في داخلهم حتى اليوم. يذكر ابن عمي انه اختبأ يوماً ما داخل غسالة الثياب "العادية" حينما كان جدي يصرخ بحثاً عنه، حاملا بيده حزاماً اعتاد استعماله ليخيفنا من العقاب. كان الجميع يسمع صوته وهو ينادي: "يا ماليت الجدرة" (لم نكن نعلم ماذا تعني، أعتقد الآن انها عبارة عن دعوة علينا بأن يصيبنا الجدري ويملأ جسدنا). كنا حين نسمع تلك العبارة، نهرب من أمامه ونختبئ أينما أتاح لنا المكان والوقت الذي يستغرقه جدي للوصول الينا. كنت أختبئ في خزانة أمي حيث فساتينها وعلبة الخياطة، بينما كانت اختي الصغيرة تزحف تحت سرير والدي العريض. أما أخي فكان يتسلق حافة "المجلى" في المطبخ الى "السدة" أي "التتخيتة" أو العليّة.
طبعاً كان جدي يعلم بكل مخابئنا، فيجدنا واحداً تلو الآخر ويتوعد بالشكوى الى أبي وعمي.
(يتبع)