غزة | يذهب عمنا الساعاتي أبو أسامة إلى الصلاة يوم الجمعة، فيتحلّق حوله الخلق من كل جانب. يسألونه عن شؤون ساعاتهم، منهم من يودّ بيع خاصته، ومنهم من يودّ إصلاحها. فيما يقف بينهم متأملاً، كطبيب حكيم! حيناً يُوصيهم بساعاتهم خيراً، و حيناً آخر يُوفّر عليهم العناء، سائلاً إيّاهم اقتناء أُخرى بثمن معتدل. وإن أصرّوا على إصلاحها، رحّب بهم في محلّ يقع في وسط المدينة، يضجّ بالساعات من كل الأحجام والماركات المختلفة. ولاكتظاظ المكان بكل تلك المنبهات للوقت تكاد تظن بأنّ «يوم الساعة» سيندلع من هنا بالذات!

تفاصيل عجيبة، تشي بولع صاحبنا بحرفة، يبدو جلياً أنّها ليست مجرّد مهنة يرتزق منها! فالسر يكمن في عشرة العمر الطويلة، عشرة بدأت منذ ريعان شبابه!

في ستينيات القرن الماضي، بدأ صاحبنا الاشتغال بحرفة الساعاتي. يقول إنهم كانوا قلة مع ان من كانوا يمتلكون الساعات التي هي بحاجة للتصليح، كانوا أبناء الطبقة المخملية، ما جعل الحرفة ترفاً في المجتمع الغزّي! المهمّ أنّ «حكيم» الساعات «لقط» الحرفة من ابن عمّ له، كان يشتغل باستيراد الساعات الروسية، ليبدأ مشوار عمر بالتكتكة سنة وراء الأخرى.
ولأنّ لكلّ مقام مقال ولبوس، فقد اعتنى الساعاتي بهيئته لكي تبدو ذات "هيبة" ما! أقلّه كي يُناسب مقام الطبقة المخملية، التي تملك المال لشراء ساعات يتراوح ثمنها من ثلاث إلى ثلاثين جنيهاً مصرياً آنذاك. هنا يُشير عمنا الساعاتي إلى هندامه الشتوي "جاكيت شتوية طويلة وبنطال قماش مخملي"، لتبدأ بذلك سمفونية التفاخر فترتفع نبرة صوته وهو يتلو أسماء الساعاتية الأشهر في تلك الآونة «حج عيسى عكيلة، صالح الغزالي، بهجت سكيك، محمد عاشور»، ثم «العبد لله محسوبكم».
لكن، وان كان للحديث متعة استذكار الايام القديمة وترفها، فللحديث نفسه شجون خاصة حين يتذكر مدخوله السابق مقارناً اياه بالحالي. يقول: «الدخل المادي كان يصل الى حوالى خمسين جنيهاً شهرياً.
و"هذه ماهيّة (اجر بالمصري) تعني شيء وشويات أيّام الستينيات» كما يقول. ثم يعرج على المكانة الاجتماعية التي كانت لجناب الساعاتي: "مثلا لما كان يجي عريس بيشتغل ساعاتي، أهل البنت يشوفوا حالهم"! ثم يضيف: "كان لمّا بتتعطّل ساعة حيط، يقوم صاحب هالساعة يتباهى وهو جايب مصلّح الساعات لبيته منشان يصلّحها"!.
فوق كل ذلك، تبدو الحرفة هيّنة لا تسستلزم جهداً كثيراً، لكنّ هذا الاعتقاد الخاطئ، سريعاً ما يبدده الرجل حين يبدأ بالعدّ على أصابعه أساسيات حرفته. مبتدئاً بضرورة أن يكون الحرفي "ذكياً وسريع البديهة"، متحلياً بـ"الدقة الشديدة"، إضافة إلى "مدى أهميّة جودة الأدوات في نجاح المهمة".
تلك القوانين يعددها بجديّة بالغة كأنّها تابوهات مقدّسة، يستحيل بنظره ممارسة الحرفة من دون إتقانها! لكنّه سريعاً ما يُلفت الانتباه إلى الخبرة التي تطور مع الوقت حدسه، ما يمكنّه من معرفة سر الخلل في الساعة المتعطلة، بمجرد النظر او معرفة الساعات المُزيّفة من الحقيقية بمجرد لمسها".
إذن، "الساعة هي دورة حياته التي تسير خلالها الأيّام ومن خلالها يشعر بقيمة الناس وقدرهم ووزنهم المجتمعي" مثلما يعتقد. وكانت الأجواء مناسبة لسرد أسماء شخصيات ذات منصب ونفوذ كثيراً ما تُعرّج على محلّه حتى اليوم، بغية شراء جديد الساعات، فالساعة هنا في غزة على الاقل، ما زالت رمزاً للأناقة، أما صاحبنا؟ فبالنسبة له قيمة المرء مرتبطة بماركة ساعته. «ولا؟» يسأل كمن لا يتوقع اي اعتراض.